تعارض الأحكام المغربية والأوروبية في قضايا أسر الجالية يثير سجالا قانونيا

أثار حكم قضائي مغربي، حديث نسبيا، على أحد أفراد الجالية المغربية المقيمة في الخارج بأداء لفائدة طليقته نفقة أبنائه الثلاثة وواجب السكن شهريا وواجب الحضانة، بعد أن أصدر القضاء في بلجيكا حيث يقيم الطليقان “أحكاما نهائية” تقضي بحضانة مشتركة للأطفال، مع تقاسم المسؤوليات ومصاريف الأطفال، (أثار) نقاشا قانونيا حول الاعتراف بالأحكام الأجنبية الصادرة في هذا المجال، وإشكالات الحضانة المشتركة لأسر مغاربة العالم. تفاصيل القضية أوضح “ع.ع”، وهو أب مغربي مقيم ببلجيكا، في تواصل مع هسبريس، تفاصيل القضية، مبرزا أن أبناءه الثلاثة “يقيمون بصفة دائمة في بلجيكا حيث يتابعون حياتهم ودراستهم”. وفي هذا الصدد، فإن هذه الأحكام الصادرة سنة 2022، طالعتها هسبريس، تقضي بتحمل كل طرف مصاريف الأطفال أثناء فترة إقامتهم لديه، بما في ذلك نفقات المسكن والرعاية والتربية، وكذلك الشأن بالنسبة للمصاريف الاستثنائية. وأبرز أن “كثيرين يقعون في أخطاء مسطرية وشكلية تخلق لهم في النهاية مجموعة من المشاكل”، موردا أن “الجالية غالبا ما تقع في هذا الخطأ، بحيث إنها لا تذيل جميع الأحكام الصادرة عن المحاكم الأجنبية بالصيغة التنفيذية في المغرب، ويتم إصدار حكم جديد في المغرب بناء على قضية رُفعت في المملكة”. ووفق المعطيات المتوفّرة لهسبريس، فإن الأمر يتعلّق بحكم المحكمة الابتدائية بالناظور على المدعى عليه الطليق “ع.ع” في يوليوز 2025 بأدائه لفائدة الطليقة نفقة أبنائهما الثلاثة بمبلغ 400 درهم شهريا لكل واحد منهم، وواجب السكن محددا في مبلغ 300 درهم شهريا لكل واحد منهم، وواجب الحضانة في مبلغ 100 درهم شهريا لكل واحد منهم. وأضاف: “بعد الطلاق، أصدرت محكمة الأسرة بمدينة أنتويربن البلجيكية أحكاما قضائية نهائية صادقت بموجبها على نظام إقامة متناوبة للأطفال بين الأبوين أسبوعا بأسبوع، مع تقاسم المسؤوليات الأسرية والمصاريف المتعلقة بالأطفال بين الطرفين”. وبحسب “ع.ع”، فإن “الزوجة بدأت تحتكر مصاريف منحة للأطفال تقرها بلجيكا سنويا حتى سنة 2025″، مما دفعه للمطالبة باقتسامها تنفيذا لمنطوق الحكم، مفيدا بأن “طليقته ذهبت إلى المغرب وأقامت دعوى النفقة”.

ولفت إلى أن “هذا النظام مطبق فعليا منذ سنوات داخل بلجيكا، حيث يمارس الأب والأم مسؤولياتهما المشتركة بشكل متوازن، دون وجود احتضان منفرد لأي طرف”. وتابع خليل: “كان من الأجدر بالمدعى عليه أن يقوم بتذييل الحكم التنفيذي الصادر عن المحكمة في بلجيكا بالصيغة التنفيذية بالمغرب لكي يكون مقبولا أمام المحاكم المغربية”. وشدد المحامي ذاته على أن “الحل اليوم يكمن في تفعيل أكبر للاتفاقيات الثنائية للقضاء، وفي ضرورة ملاءمة الاجتهاد القضائي المغربي ليتماشى مع الواقع المعيش لمغاربة العالم، وبما يضمن المصلحة الفضلى للطفل”. ولما كان هذا الحكم لم يُذيل بالصيغة التنفيذية أمام المحاكم المغربية – أتحدث هنا عن الحكم الأجنبي – فإنه يكون غير مقبول أمام القضاء المغربي”. وشدد الباحث في القانون على ضرورة حرص الجالية على تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية، وأن تطلب، إذا استدعت الضرورة، من “المحكمة المغربية المعنية مهلة إلى حين بت المحكمة (في بلد الإقامة) في طلب التذييل”، موردا أنه “في حال أعطت المحكمة المهلة الكافية للمدعي أو المدعى عليه، فإنه من طبيعة الحال سيستصدر حكما بالتذييل بالصيغة التنفيذية”. “التذييل بالصيغة” من جانبه، قال عبد العزيز خليل، باحث في القانون، إن الإشكالية المطروحة في هذا الصدد أن “الأحكام الأجنبية لا تُقبل أمام المحاكم المغربية إلا إذا تم تذييلها بالصيغة التنفيذية. وأشار إلى أنه غير قادر على العودة إلى المغرب حاليا في ظل هذا المشكل، “مخافة الاحتجاز” (الاعتقال).

“إشكالية معقدة” أثارت هسبريس هذا النقاش القانوني مع محامين وباحثين في القانون، وقد أكد محمد ألمو، محام بهيئة الرباط، أن “إشكالية التعارض بين الأحكام الأجنبية والأحكام الوطنية في المادة الأسرية، خاصة بالنسبة لمغاربة العالم، تعد من أعقد الإشكاليات في القانون الدولي الخاص حاليا”. وتجدر الإشارة إلى أن “ع.ع” أكد أن وثائق الحكم البلجيكي تم إرفاقها من قبل محاميه في المذكرة الجوابية المقدّمة إلى المحكمة الابتدائية بالناظور، وأن نص حكم هذه الأخيرة نفسه يستحضرها. وقال ألمو إن “هذا التعارض يظهر بوضوح عندما تبت المحاكم الأوروبية في قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وفق أنظمة قانونية غربية تعتمد مفاهيم حديثة كالإقامة المتناوبة أو التقاسم المتساوي للمصاريف، في حين يصطدم التطبيق العملي لهذه الأحكام داخل أرض الوطن بمسطرة التذييل بالصيغة التنفيذية، وبمفهوم ‘النظام العام المغربي’ المستمد من مدونة الأسرة، التي لا تزال تعتمد في الغالب على تقسيم كلاسيكي للمسؤوليات (حضانة لطرف ونفقة وسكن على الطرف الآخر)”. كما ذكر أن “المحكمة المغربية أشارت في حكمها إلى وجود الأحكام والاتفاقيات الصادرة عن القضاء البلجيكي، لكنها لم تناقش بشكل واضح الأثر القانوني لهذه الأحكام الأجنبية، ولم توضح الأساس الذي اعتمدته للحكم بالنفقة وواجب السكن وأجرة الحضانة، رغم أن جميع الوثائق المدلى بها تؤكد أن الأطفال يقيمون بالتساوي بين الأبوين وأن كل طرف يتحمل مسؤولياته اليومية أثناء إقامة الأطفال لديه”. وعبّر المصدر ذاته عن تفاجئه “بصدور حكم عن المحكمة الابتدائية بالناظور يقضي بفرض نفقة وواجب السكن وأجرة الحضانة لفائدة الأطفال، رغم أن الأطفال لا يقيمون أصلا بالمغرب، بل يقيمون بصفة دائمة في بلجيكا، الدولة التي أصدرت الأحكام الأصلية المنظمة لوضعيتهم الأسرية”. وحددت المحكمة ابتداء سريان هذه المصاريف من تاريخ 2025/01/07 إلى “غاية سقوط الفرض عنه شرعا أو تغيير هذا الحكم بآخر، مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل وتحميله الصائر ورفض باقي الطلبات”. وأضاف أن “هذا التباين التشريعي يؤدي في كثير من الأحيان إلى صدور أحكام وطنية تُكرر فرض التزامات مالية (كنفقة وأجرة الحضانة) سبق وأن تم تنظيمها أو استيعابها واقعيا في بلد الإقامة، مما يضع أفراد الجالية في وضعية الازدواجية القضائية ويهدد استقرارهم المالي والأسري”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *