بعد إدانة دولية لهجمات السمارة.. “الجبهة” تُسوّق للقانون الدولي الإنساني

في محاولة لإعادة تلميع صورتها أمام المنتظم الدولي، أعلنت جبهة “البوليساريو” الانفصالية، خلال ندوة صحافية نظمتها قيادتها العسكرية، عن إحداث “المكتب العسكري-الصحراوي لمراقبة التقيد بالقانون الدولي الإنساني”، تروم مواكبة ما وصفته “الالتزامات القانونية المرتبطة بالكفاح من أجل تقرير المصير”. وتسعى “البوليساريو”، من خلال إحداث هذا المكتب، إلى تقديم نفسها كطرف ملتزم بقواعد القانون الدولي الإنساني، في وقت تواجه فيه ضغوطا سياسية وعزلة دبلوماسية متنامية، خصوصا مع تصاعد الأصوات الدولية المنتقدة لخطابها وتحركاتها العسكرية. وبخصوص تداعيات إعلان المكتب العسكري، أكد بوشاكوك أن الجبهة تحاول من خلاله إعادة تقديم نفسها في صورة طرف منضبط لقواعد القانون الدولي؛ غير أن المعطيات الميدانية والسياسية تعكس اتجاها مغايرا يرتبط بتصعيد عسكري وتوتر متزايد في المنطقة. ويأتي هذا التحرك في سياق متوتر تعيشه الجبهة على المستوى الدولي، بعد تصاعد الانتقادات الموجهة إليها وربطها، خلال الأشهر الأخيرة، بشبكات مرتبطة بإيران وحزب الله؛ فضلا عن اتهامات تتعلق بالتقاطع مع جماعات تنشط بمنطقة الساحل والصحراء. وأوضح بوسعيد، في تصريحه لهسبريس، أن هذه الخطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الجارية في ملف الصحراء وعن السياق الإقليمي الذي يطبع الجبهة، حيث تسعى إلى توظيف المرجعيات الدولية لإضفاء شرعية على بنيتها العسكرية والسياسية. كما يتزامن الإعلان مع استمرار تداعيات الهجمات التي استهدفت مدينة السمارة مطلع شهر ماي الجاري، والتي أعادت الجبهة إلى واجهة الجدل الأمني والإقليمي. ونبه المتحدث عينه إلى أن هذا التوجه يعكس أيضا محاولة لتجاوز حالة العزلة الدبلوماسية التي تعيشها الجبهة، من خلال خلق واجهات ذات طابع قانوني وحقوقي تمنحها هامشا إضافيا للمناورة.

وذكر المحلل السياسي ذاته أن الجبهة تحاول من خلال هذا الإعلان التموقع مجددا داخل النقاش القانوني الدولي، عبر تقديم نفسها كطرف ملتزم بالقانون الدولي الإنساني، في وقت تتصاعد فيه الأسئلة حول طبيعة تحركاتها الميدانية وصلاتها الإقليمية. واستندت الجبهة، في تبريرها لإحداث هذا الهيكل، إلى عدد من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة واتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977. واستدرك المحلل السياسي أن جبهة “البوليساريو” تحاول، من خلال هذا المكتب العسكري، الإيحاء بالتقيد الصارم باتفاقيات جنيف لسنة 1949 وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، خاصة القرار 1514 لسنة 1960 والقرار 2625 لسنة 1970 وكذا القرار 3070 لسنة 1973، بهدف إظهار نفسها كطرف ملتزم بالمنظومة القانونية الدولية، موردا أن هذا التوظيف للمرجعيات القانونية يروم أيضا ترسيخ سردية مفادها أن الجبهة هي “الممثل الشرعي والوحيد” لما تصفه بـ”الشعب الصحراوي”، عبر إضفاء غطاء قانوني على بنيتها العسكرية من خلال إحداث هذا المكتب. وزاد بوسعيد شارحا: “هذا النوع من الخطوات يندرج ضمن استراتيجية تواصلية تهدف إلى إعادة تشكيل الصورة الذهنية للجبهة دوليا، أكثر مما يعبر عن تحول حقيقي في بنيتها أو في سلوكها على الأرض”. وشدد بوشاكوك، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، على أن هذا الإعلان يأتي في سياق سياسي متوتر تتزايد فيه المؤشرات على تراجع هامش المناورة الدبلوماسية للجبهة، خاصة بعد التنديد الدولي المتواصل بالهجمات التي استهدفت مدينة السمارة وما رافقها من اتهامات بخرق وقف إطلاق النار. خطاب شرعنة من جهته، قال الشيخ بوسعيد، باحث في القانون العام مهتم بنزاع الصحراء المغربية، إن إعلان جبهة “البوليساريو” إحداث ما يسمى “المكتب العسكري الصحراوي” يدخل في إطار محاولة جديدة لإعادة إنتاج خطابها السياسي والقانوني بهدف تحسين صورتها أمام المنتظم الدولي، بالتزامن مع تزايد الضغوط والانتقادات الموجهة إليها. وخلص الشيخ بوسعيد إلى أن هذه الخطوة تظل أقرب إلى إعادة تموضع سياسي وإعلامي منها إلى مبادرة ذات أثر قانوني أو مؤسساتي حقيقي، في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها ملف الصحراء على المستوى الدولي.

وأضاف الباحث في خبايا النزاع أن الجبهة تراهن كذلك على هذا الخطاب في التأثير على بعض المسارات القضائية داخل أوروبا، خاصة تلك المرتبطة بالنزاعات التجارية التي تهم إقليم الصحراء المغربية، مؤكدا أن “هذا التحرك يتزامن مع سياق دولي وإقليمي حساس يتسم بتزايد الدعوات إلى ضبط التصعيد ووقف الأنشطة المسلحة، في ظل استمرار تداعيات الهجمات الأخيرة التي شهدتها المنطقة”. مقاربة وهمية تعقيبا على الموضوع، قال سعيد بوشاكوك، باحث مهتم بقضايا التنمية والمجال، إن إعلان قيادة جبهة “البوليساريو” إحداث ما يسمى “المكتب العسكري-الصحراوي لمراقبة التقيد بالقانون الدولي الإنساني” يظل في جوهره إجراء بروتوكوليا لا يرتب أي أثر عملي أو قانوني على مسار تسوية نزاع الصحراء المغربية، ولا على الوضع الأمني في منطقة الساحل وجنوب الصحراء. ويرى محللون أن الخطوة تحمل أبعادا دعائية أكثر من كونها تحولا فعليا في سلوك الجبهة؛ بالنظر إلى تزامنها مع تصاعد الدعوات إلى تشديد الرقابة الدولية على أنشطتها. وأوضح الباحث المهتم بقضايا التنمية والمجال أن هذه التطورات ساهمت في تعميق عزلة الجبهة وحلفائها، في مقابل تنامي الدعم الدولي للمقترح المغربي القائم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره حلا واقعيا وذا مصداقية. أشار المحللون أنفسهم إلى أن هذا التطور يتقاطع مع تحركات داخل دوائر أمريكية، من بينها أوساط في الكونغرس، تدفع نحو تصنيف “البوليساريو” منظمة إرهابية، استنادا إلى معطيات تربطها بتهديد الاستقرار الإقليمي ودعم جماعات مسلحة تنشط في منطقة الساحل. وأجمل سعيد بوشاكوك بالقول إن التحولات الجيوسياسية الراهنة، القائمة على منطق المصالح وإعادة ترتيب التوازنات الدولية، تجعل خيارات الجبهة أكثر انكشافا، وتفتح الباب أمام مزيد من إعادة تقييم مواقفها على المستوى الدولي، في ظل اتساع دائرة الدعم للمبادرة المغربية. وفي تعليقه على القصف الذي استهدف مدينة السمارة، صرح المتحدث عينه بأن هذه الخطوة تمثل مؤشرا ماديا على مسؤولية مباشرة في تغذية مناخ التوتر، وتضعف أي خطاب سياسي يدعي الالتزام بالحل السلمي، كما تعمق الطابع العسكري للجبهة في الوعي الدولي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *