تقرير أمريكي يرصد صعود المغرب كقوة إقليمية اقتصاديا ودبلوماسيا

وصف تقرير حديث لمركز “ستيمسون” الأمريكي (Stimson Center) المغرب بكونه قوة وسطى متمرسة، تحتل موقعا استراتيجيا فريدا عند ملتقى المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط والفضاء الساحلي. ولفت إلى أن الصين تعتبر بدورها من شركاء المغرب الاستراتيجيين، حيث توسعت العلاقات بين البلدين في إطار مبادرة “الحزام والطريق” التي وقّع عليها المغرب عام 2017. ويسعى هذا الورش إلى تعميم التأمين الصحي على جميع المواطنين، وتوسيع نظام التقاعد ليشمل العمال المستقلين وغير الرسميين، وإقرار تعويضات عائلية لجميع الأسر بصرف النظر عن دخلها. وأكد التقرير الصادر عن المركز الأمريكي سالف الذكر أنه بحلول عام 2024، كان 88 في المائة من السكان المغاربة يتمتعون بتغطية صحية أساسية. ومن أبرز هذه الأطر “مدينة الدار البيضاء للمال”” Casablanca Finance City” CFC” التي تستهدف استقطاب المقرات الإقليمية للشركات متعددة الجنسيات. وأشار التقرير إلى أنه بعد صدور قرار مجلس الأمن 2797، وجه الملك محمد السادس دعوة إلى الرئيس الجزائري تبون للتحاور بـ”إخلاص وإخاء”، مسجلا إعلان المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف أن إدارة ترامب تعمل بجدية على التوصل إلى اتفاق مغربي-جزائري، يرى المحللون أن نجاحه سيمكن من دمج الاقتصاد المغاربي، وتخفيف الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، وتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل. إصلاحات اقتصادية تجسد رؤية 2035 كشف التقرير عن أن المغرب أطلق جملة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الشاملة. وينعكس التنافس بين المغرب والجزائر، حسب التقرير، في أرقام الإنفاق الدفاعي، إذ رصد المغرب 13 مليار دولار لميزانيته الدفاعية عام 2025، مقابل 25 مليار دولار للجزائر. الشركاء الاستراتيجيون للمغرب تطرق الإصدار إلى أن أوروبا تمثل الشريك الأجنبي الأهم للمغرب، إذ يستوعب الاتحاد الأوروبي نحو 68 في المائة من الصادرات المغربية ويُعدّ أكبر مستثمر ومانح. أما العنصر الثاني فهو التماسك الاجتماعي، من خلال الحماية الاجتماعية الذي أُطلق عام 2021. وقيّم النموذج التنموي الجديد الذي أُطلق عام 2021 في مواجهة الهشاشات الهيكلية المقيِدة له. وأشار المستند عينه إلى أنه في حين يعد المغرب أكبر منتج للسيارات في إفريقيا ويمتلك احتياطيات الفوسفات ويدعي مصداقية الريادة في الطاقة المتجددة، فإنه يواجه “رياحا معاكسة حادة” تتمثل في الشح مائي التاريخي والبطالة المتجذرة في أوساط الشباب والاقتصاد غير المهيكل الضخم. وأورد المصدر ذاته أن هناك ثلاث ديناميكيات تتقاطع لتشكل مسار المغرب الراهن؛ أولها التحول الاقتصادي من خلال بروز تجمعات تصديرية متكاملة في السيارات وصناعة الطيران والمعادن الحرجة، وهي المعادن الأساسية التي تستخدم في الصناعات الحديثة.

وأورد التقرير أن المملكة تتلقى، اليوم، نحو 30 مليون دولار سنويا كمساعدات عسكرية أمريكية؛ فضلا عن تدريبات مشتركة تُعدّ “الأسد الإفريقي” من أبرزها في إفريقيا. وبخصوص شراكة المغرب مع الشرق الأوسط ودول الخليج، فلفت المصدر عينه إلى أن تطبيع المغرب مع إسرائيل في دجنبر 2020 في إطار اتفاقيات إبراهيم شكل منعطفا بارزا، مشددا على أن هذه الخطوة فتحت آفاقا رحبة للتعاون الذي تشمل تجارة بمئات الملايين من الدولارات والسياحة والرحلات المباشرة والدفاع والأمن السيبراني وتكنولوجيا المياه والابتكار الزراعي. وتشمل مشاريع بنية تحتية كـ”مدينة محمد السادس طنجة تك”، وميناء الناظور غرب المتوسط. وأفاد بأن حجم الاستثمار والتجارة الصينية لا يزال أدنى بكثير مما هو مع أوروبا، ويحرص المغرب على تنويع علاقاته بين الغرب والصين والدول الخليجية تفاديا للإفراط في الاعتماد على أي طرف. وخلص الإصدار إلى أن مسيرة المملكة نحو تحقيق أهداف رؤية 2035 رهينة باستدامة النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وإدارة الإشكاليات المناخية والمائية وضمان التنمية الشاملة، منوها بموقعه الاستراتيجي واستقراره السياسي وزخم إصلاحاته التي ترسخه بلدا محوريا في شمال إفريقيا وجسرا بين القارات. وعقب عودته إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017 وانضمامه إلى منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، عمّق المغرب علاقاته مع دول إفريقيا جنوب الصحراء. أما فيما يخص العلاقات مع كل من أمريكا والصين فسجل المصدر ذاته أن الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء عام 2020 عمق مكانة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، لا سيما أن المغرب كان أول دولة تعترف بالولايات المتحدة عام 1777. وعلى إثر ذلك، توسعت الشركات المغربية عبر إفريقيا. أما الديناميكية الثالثة فتتمثل في إعادة التموضع الدبلوماسي والذي يبرز أساسا في التطبيع مع إسرائيل في إطار اتفاقيات إبراهيم وقرار مجلس الأمن 2797 لعام 2025 والداعم لمقترح الحكم الذاتي المغربي للصحراء المغربية، حسب التقرير. وأكد التقرير، الذي اطلعت عليه، أن المغرب لم يعد مجرد دولة عازلة في مواجهة الهجرة الأوروبية؛ بل تحول إلى فاعل إقليمي نشط ومرتكز استقرار راسخ عند تقاطع أوروبا إفريقيا. وأفاد بأن نسبة التجارة في الناتج المحلي الإجمالي للمغرب تبلغ نحو 95 في المائة عام 2025، ويتصدر الاتحاد الأوروبي قائمة الشركاء التجاريين بحصة 59 في المائة من مجموع التبادل، إذ يُوجَّه ثلثا الصادرات إلى دول أوروبا، في مقدمتها إسبانيا وفرنسا. وعرفت الشراكة الأوروبية-المغربية مستجدات؛ أبرزها إطلاق الشراكة الخضراء الأولى عام 2022 في مجال الطاقة والمناخ والبيئة، وإطلاق ميثاق المتوسط في نونبر 2025 مع شركاء جنوب البحر الأبيض المتوسط، علاوة على الدعم الأوروبي البالغ 2.48 مليار درهم (نحو 233 مليون يورو) عام 2025 لدعم الإصلاحات الوطنية الكبرى. أما فيما يتعلق بالعلاقات مع إفريقيا، فاعتبر التقرير أن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 مثلت تحولا استراتيجيا حاسما نحو الانخراط الإفريقي؛ من خلال زيارة الملك محمد السادس إلى أكثر من 30 دولة في إفريقيا جنوب الصحراء، وإبرامه عشرات الاتفاقيات الثنائية.

كما سجل التقرير بروز ميناء طنجة المتوسط كواحد من أهم الممرات البحرية استراتيجية على المستوى العالمي، إذ تعبره نحو 100 ألف سفينة سنويا حاملة أكثر من 10 في المائة من حجم التجارة البحرية الدولية، مؤكدا أن الميناء في عام 2024 استقبل 10.2 مليون وحدة مكافئة قياسية، متجاوزا ميناء الجزيرة الخضراء (4.7 ملايين وحدة). كما تتصاعد شراكاته مع الصين في إطار “مبادرة الحزام والطريق”، علاوة على شراكة المملكة مع دول الخليج كالإمارات وقطر والسعودية. وأوضح أن المغرب يتيح للمستثمرين منظومة من المناطق الحرة والمناطق الصناعية، إذ تخضع الشركات المسجّلة في مناطق تسريع التصنيع لمعدل ضريبي على الشركات بنسبة 20 في المائة بعد إعفاء أوّلي لمدة خمس سنوات. جزائر ترفع الأسوار، ومغرب يدعو إلى الحوار وصف التقرير العلاقات بين المغرب والجزائر بـ”المتوترة”، مشيرا إلى دعم الجزائر سياسيا وماليا لـ”جبهة البوليساريو” أدى إلى تصاعد حدة التوترات الدبلوماسية في غشت 2021 حين قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية وأغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات المغربية. ومنذ عام 2008، يحظى المغرب بالوضع المتقدم ضمن سياسة الجوار الأوروبية، وتجمعه بالاتحاد اتفاقيات شاملة تمتد من التجارة إلى الطاقة والطيران والصيد والهجرة. وأبرز المصدر عينه أن المملكة استثمرت في عهد الملك محمد السادس موقعها الجغرافي لتيسير التجارة والاستثمار والتعاون الأمني عبر القارات، مُعيدة بذلك رسم الهندسة الاستراتيجية للمغرب العربي من خلال ما يُسميه المحللون “المعاملاتية الاستراتيجية”، أي سياسة خارجية قائمة على “التوافق الانضباطي للمصالح”؛ من خلال تأمين الدعم الدبلوماسي والاقتصادي مع إبداء الاستعداد للتعاون بشأن الأولويات المشتركة. وكان أبرز تلك الإصلاحات “النموذج التنموي الجديد” الذي أعلنه الملك محمد السادس عام 2021، حيث يرسم هذا المشروع استراتيجية للنمو الشامل والمستدام حتى عام 2035. وأشاد في الآن ذاته بورش إصلاح الحماية الاجتماعية الذي تم إطلاقه عام 2021، واصفا إياه “المشروع الداخلي الأكثر طموحا منذ جيل”. كما رسخ التحول نحو الطاقة المتجددة مكانة المغرب رائدا مناخيا إقليميا، وتحسّنت المؤشرات الاجتماعية بتوسع التغطية الصحية وارتفاع معدلات محو الأمية. ويرتكز هذا النموذج على تعزيز تنافسية القطاع الخاص والحدّ من التفاوتات وتقوية منظومتي التعليم والصحة وتمكين الجهات وتحسين الحوكمة، مع التركيز على خلق فرص عمل لفائدة الشباب والارتقاء بالصناعات ذات القيمة المضافة العالية. وفي الختام جدد التقرير التأكيد على أن المغرب عرف استقرارا ملحوظا وتقدما في مختلف المجالات على مدى العقدين الماضيين؛ بفضل سياسات تحرير الاقتصاد والاتفاقيات التجارية في تنويع الاقتصاد واستقطاب الاستثمار. كما رصد التقرير سالف الذكر مسيرة تحول المغرب من منصة تصنيع “منخفضة التكلفة” إلى مُصدِر صناعي “رفيع التقنية”، ورائد في الطاقة الخضراء، ومركز ناشئ لمواد البطاريات. كما يربط المغرب بالاتحاد الأوروبي اتفاق تبادل حر منذ عام 2000، وبالولايات المتحدة منذ 2006.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *