كشفت تقارير رقابية نوعية أنجزتها مصالح مديرية مالية الجماعات المحلية، التابعة للمديرية العامة للجماعات الترابية بوزارة الداخلية، عن ورطة حقيقية تتخبط فيها عشرات الجماعات الترابية الحضرية والقروية، بعد أن رصدت الأبحاث الإدارية، التي شملت عينة موسعة من 165 جماعة، شبهات جدية تتعلق باستعمال سندات طلب وهمية وتمرير صفقات عمومية لفائدة شركات مشبوهة، احتكرت التعامل مع جماعات بعينها لسنوات طويلة. وأكدت المصادر ذاتها أن هذه السندات استُعملت لإنجاز دراسات تقنية وهندسية بقيم مرتفعة، في حين إن الخدمات المقدمة في أحيان كثيرة لم تتجاوز إعداد ملفات استشارية بسيطة، من قبيل التفصيل التقديري ودفاتر الشروط الخاصة، وهي نماذج متاحة مجانا في دوريات وزارة الداخلية ذاتها، مشددة على أن الاختلالات لم تقف عند هذا الحد؛ إذ رصدت التقارير خروقات منهجية شملت إسناد دراسات هندسة معمارية ومكتبية إلى مكاتب غير مرخصة ولا مؤهلة في مجالات التخصص المعنية، فضلا عن غياب تحديد واضح ودقيق لطبيعة الخدمات والأشغال المطلوبة، مما أفضى إلى استحالة مشاركة أي منافس آخر في عمليات تقديم العروض. وتنتهك هذه الممارسات صراحة مقتضيات المادة 88 من المرسوم المتعلق بالصفقات العمومية، التي تُلزم بإخضاع الأعمال المنجزة بسندات الطلب لمنافسة مسبقة وتحديد واضح لمواصفاتها.
وذكرت المصادر نفسها أن هذه الصورة تعززت من خلال مؤشرات أخرى وقفت عليها المصالح المختصة، تمثلت في اعتماد منافسات صورية افتقرت إلى أدنى شروط الشفافية، واستعمال بيانات أثمان غير مؤرخة ولا مرقمة. وأفادت مصادر عليمة بأن الاختلالات المرصودة تمحورت أساسا حول اللجوء المكثف إلى سندات طلب بمبالغ قاربت 200 ألف درهم (20 مليون سنتيم) للسند الواحد، وهو رقم يقع عمدا دون العتبة القانونية التي توجب المرور إلى مساطر طلبات العروض، فيما بدا توظيفا ممنهجا لثغرة تقنية للتهرب من الرقابة القانونية على الإنفاق العمومي. وتوقعت المصادر في السياق ذاته أن تتسبب هذه الملفات في عزل منتخبين متنفذين، في سابقة قد تُعيد رسم ملامح المشهد الانتخابي المحلي في مناطق عدة من المملكة قبل حلول موعد الانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر المقبل.
وتتصاعد خطورة المشهد، وفق مصادر، مع تزامن التقارير الرقابية الجديدة مع خلاصات جرد مواز أنجزته مصالح الإدارة المركزية، همَّ حالات التلاعب المالي والجبائي بجماعات وتضمن مئات المخالفات؛ إذ يرتقب إحالة ملفات خطيرة أعلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، تتضمن أفعالا قابلة للتصنيف في خانة الجرائم المالية على غرار الغدر الضريبي. وهي عناصر رسخت شبهة التواطؤ بين منتخبين وشركات بعينها، احتكرت صفقات جماعاتهم على مستوى الجهة أو العمالة أو الإقليم لأمد بعيد. في حين أشارت سجلات وصولات الأداء التي خضعت للفحص إلى أن نفقات صُرفت فعليا دون أن تُقدَّم في مقابلها أي خدمة حقيقية، وهو ما صنّفه القضاء الإداري ضمن خانة الأخطاء الجسيمة الموجبة للعزل في حق الرؤساء، استنادا إلى المادة 49 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، التي تضع الحفاظ على المصالح المالية للجماعة في مقدمة واجبات الرئيس وصلاحياته.
