تطورات بارزة في القطاع غير المهيكل يعرقل توسع الدفع الإلكتروني في الاقتصاد المغربي

لا يزال الانتشار الواسع للاقتصاد غير المهيكل و”التحفظات الاجتماعية” إزاء الدفع الرقمي المدفوعة بهاجس الاحتياط النقدي وغياب الثقة في الحلول المالية الرقمية “عقبات” تحول دون الانتقال السريع نحو مجتمع مغربي أقل اعتمادا على النقد (الكاش)، حسب أساتذة وخبراء في الاقتصاد. وأيد حمص، في تصريح لهسبريس، الدور الواضح للقطاع غير المهيكل في انتشار التعامل بـ”الكاش”، خصوصا “مع الاقتصاد الفلاحي الذي شهد هذه السنة رواجا كبيرا، ونسبة مهمة من تعاملاته تتم نقدا”. وبلغت هذه التحويلات، عند متم 2025، أزيد من 122 مليار درهم، مقابل 118.9 مليارات درهم في السنة السابقة، بحسب مكتب الصرف. وزادت: “فضلا عن ذلك، فإن غياب تحفيزات قوية، سواء للمستهلكين أو للتجار، وضعف التنسيق بين مختلف الفاعلين قلّصا من فعالية هذه السياسات”. من جهة أخرى، أوضحت المجاهيد، في تصريح لهسبريس، أن “الإقبال على النقد يرتبط بضعف الشمول المالي والثقافة الرقمية لدى فئات واسعة من المجتمع، خاصة في الوسط القروي وبين كبار السن”. كما أن المغرب يجابه عموما إشكال ضعف نسبة الشمول المالي”. وأشار الأستاذ الجامعي المختص في الاقتصاد إلى أن “التجار يفضّلون بدورهم المعاملات النقدية، خوفا من العمولات التي يتم خصمها عند استعمال أجهزة الدفع الإلكترونية”.

غياب الهيكلة قالت لمياء المجاهيد، أستاذة باحثة في الاقتصاد والسياسات العمومية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة أبي شعيب الدكالي بالجديدة، إن “القطاع غير المهيكل لا يزال يحتل مكانة مهمة في المغرب، وهو يعتمد بشكل كبير على ‘الكاش’ لتسهيل المعاملات اليومية وتفادي التتبع الضريبي؛ مما يحد من انتشار وسائل الدفع الإلكتروني”، معتبرة أن “ارتفاع الكتلة النقدية ليس مجرد سلوك فردي؛ بل نتيجة مباشرة لهيكلة اقتصادية يغلب عليها الطابع غير الرسمي”. وكان والي بنك المغرب قد كشف، في مارس الماضي، عن تشكيل لجنة متخصصة تعكف على دراسة كافة الجوانب التقنية والقانونية ذات الصلة بمشروع الدرهم الإلكتروني، الذي يُراهن عليه كأحد “المخلصين”. ورأى الخبراء أنفسهم أن المبادرات الرسمية ومن القطاع الخاص لتشجيع الأداء الرقمي “ظلت محدودة الأثر”؛ وذلك بعدما وصل حجم “الكاش” في المغرب بمتم 2025 إلى 513 درهما، مسجلا زيادة بنسبة 15.5 في المائة. وعن مشروع الدرهم الإلكتروني، قالت المجاهيد إنه “يبرز كخيار استراتيجي واعد؛ لكنه لا يمكن أن ينجح إلا ضمن إصلاح شامل يجمع بين تطوير البنية التحتية، وتعزيز الثقة، وتوسيع الشمول المالي، وتكثيف حملات التوعية”. تقاليد “حذرة” أكد خالد حمص، خبير اقتصادي وأستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن “فاعلين مغاربة عديدين يفضلون ‘الكاش’ لسهولته في التعامل مقارنة بوسائل أخرى عديدة؛ فالشيك مثلا يطرح إشكال الثقة. وحسب ما كشف عنه أمين الفضيلي، مسؤول التموين وإدارة الصناديق ببنك المغرب، خلال لقاء ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، فإن الاقتصاد المغربي شهد تداول 3.4 مليارات ورقة بنكية و3.4 مليارات قطعة نقدية بنهاية 2025، مفيدا بأن هذا الرقم يعادل تقريبا 92 ورقة و92 قطعة نقدية لكل نسمة. ولم تُغفل الأستاذة الباحثة نفسها أن “العوامل السلوكية والنفسية تلعب دورا أساسيا، حيث يفضل الأفراد الاحتفاظ بالنقد بدافع الاحتياط والخوف من الطوارئ؛ وهو ما يفسره الاقتصاد النقدي بـ’دافع الاحتياط’”، إلى جانب أن “العادات الاجتماعية والثقافية تعزز هذا التوجه، إذ يُنظر إلى الكاش كوسيلة تمنح تحكما أكبر في النفقات وتُستخدم بشكل واسع في المعاملات اليومية والمناسبات”.

وحسب الأستاذة الجامعية المختصة في الاقتصاد والسياسات العمومية، فإن “المشكل لا يكمن في غياب الحلول التقنية؛ بل في ضرورة تهيئة بيئة اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية ملائمة تضمن انتقالا تدريجيا وفعالا نحو مجتمع أقل اعتمادا على النقد”. وكان بحث لـ”فيزا المغرب”، صدر السنة الماضية، قد وجد أن 60 في المائة من الشركات صغيرة الحجم تستخدم الحلول الرقمية منذ أكثر من ثلاث سنوات، مقابل 42 في المائة من الشركات تقتصر على التعامل بالنقد. ولفت الخبير الاقتصادي نفسه إلى أن “الدولة سنّت سياسة مراقبة لمجموعة من المعاملات الخاصة بالأشخاص؛ مما قد يخلق تخوفا لدى البعض من الأداء الإلكتروني وما قد يجره من مراجعات ضريبية مثلا”. واستحضر المصرّح نفسه “تحويلات المهاجرين المغاربة بالخارج المرتفعة حينما تُصرف”. مبادرات “عاجزة” تعتبر لمياء المجاهيد أن “المبادرات التي تم إطلاقها لتشجيع الأداء الإلكتروني ظل تأثيرها محدودا بسبب نقائص في البنية التحتية والتحفيزات”، موضحة أن “عددا من أجهزة الدفع الإلكتروني لا يزال غير كافٍ، كما أن بعض التجار يتجنبون استخدامها بسبب الرسوم البنكية أو التعقيدات التقنية”. كما أن “الأمية المالية وعدم الإلمام بالتكنولوجيا يساهمان في إبطاء الانتقال نحو وسائل الأداء الحديثة”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *