صدرت، أخيرا، عن دار توبقال للنشر، بدعمٍ من مجلس الجالية المغربية بالخارج، الترجمةُ العربيةُ للمجموعة القصصية “الزّفاف الخُرافي للبولندي” للكاتب المغربي بالفرنسية فؤاد العروي؛ وهي الترجمة التي أنجزها محمد جاتم، فيما تولّى مراجعة الترجمة وكذا تقديم هذه المجموعة القصصية الأديب ياسين عدنان. ومن ثمّ، أجده أقرب كُتَّاب القصّة بالفرنسية إلى نُظرائه المُعرَّبين. ساعَدْتُهُ ببعض المعطيات الصغيرة عن مراكش وعن أحياء باب دكالة والرميلة ورياض العروس، وكانت الحصيلة قصّته البديعة “اللوحة الغامضة” التي جاءت بحبكة بوليسية مشوّقة، عرف العروي كيف يُثريها بعناصر الفن التشكيلي والأسطورة وبإحالات ذكية على “ألف ليلة وليلة”؛ ما جعل القصة تنجح في تقمُّص روح مراكش بقدر توفُّقها في سرد جزء من تاريخ المدينة الأسود أيام سلطة الباشوات ورجال السلطة خلال سنوات الرّصاص. ثم إنّه يُسعدني بشكل خاصّ أن أقدّم ترجمة هذه المجموعة بالذات؛ لأنَّ لي مع إحدى قصصها حكاية تستحقُّ أن تُروى. مغربيٌّ جدّا. وَلَكُم أن تتأكّدوا بأنفسكم. فترجمة فؤاد العروي إلى العربية تُعتبَر إعادة لهذه النصوص إلى فضائها الحكائي الطبيعي. كذلكَ قصصُ العروي ورواياته، أصلُها العربي المغربي ثابت ينتظر فقط أن تُنصِفهُ عملية “استرداد” هذه النصوص. كلما بدَتْ هذه الجملةُ طويلة، مركّبة، مثقلة بالاستطرادات والإضافات والجمل الاعتراضية، تحمّس لها جاتم أكثر وعكف عليها مُقتفيا أثرَ الأصل في الترجمة حريصا على نقل حيويتها المعقَّدة بدقّة ووفاء؛ فيما كنت أحاصِرُه بتمَسُّكي “الأرثودوكسي” ببنية الجملة العربية، واعتمادِها مرجِعا في بناء الجملة المُتَرجَمَة. فهو مُعجَبٌ بالجملة القصصية لدى فؤاد العروي. فهل ننحاز إلى ترجمة حرفية قد تُفقِدُ الجملة الأصلية وُضوحَها، وأحيانا حسَّها الساخر، أم نترجم روح الفكرة ومعناها العميق مع ما قد يترتّب عن ذلك من طمسٍ لبعض جماليات الكتابة لدى فؤاد العروي؟ ولعلها من أسباب تهيُّب المترجمين من الاشتباك مع مُنجَزه السردي، إذ ينبغي الاختيار بين نقل هذه الخاصية الفريدة إلى اللغة العربية، مع ما يمكن أن يترتّب عن ذلك من غرابة في التركيب، وبين إعادة صياغة الفقرات والجمل بما يتماشى مع بنية الجملة العربية في سلاستها المعتادة، مع ما يفتحنا عليه هذا الخيار من احتمالِ تبديدِ تلك النكهة التي يتفرّد بها العروي. وهو ما يجعلنا نرى الشَّرْطَة والقوس والفاصلة ومعهم علامة الاستفهام أو التّعجب مترادفين داخل الجملة الواحدة. ثمّ إنّ على القارئ أن يحتاط، إذ قد ينطلق الكاتبُ في سرده من أحداث حقيقية لينعطف فجأة نحو مداراتٍ متخيَّلَة، بعد أن يكون قد طمس في غفلةٍ منه الحدود الفاصلة بين كليهما. فحينما ننقل نصّا من لغة أخرى إلى العربية، تصير اللغةُ الهدفُ أصلا. ففي أيّة لحظة قد يفاجئه الكاتب بتلاعُبه الذكي اللذيذ بالكلمات والحوارات، باستطراداته الفَطِنة المُتبَّلة، وكذا بحسِّ الدُّعابة العالي لديه، وبروحه المرحة التي تبدو في البداية بريئة بيضاء، قبل أن تتحوّل بالتدريج إلى سخرية لاذعة من البيروقراطية والتسلُّط، وكذا إلى هجاء لاسع للتفاهة المُستشرِيَّة والغباء الذي استفحل بين الناس. أمّا نقلُ تلك “الترجمات” إلى العربية فهو، حقّا لا مجازا، سعيٌ مشروعٌ، شاقٌّ وشيّقٌ، إلى إعادة مياه فؤاد العروي السردية إلى مجراها الأول. لستُ متأكِّدا من أنّ فؤاد قد سبق له الاطّلاع على مقالة عمِّه؛ لكنني أدعو مفكّرنا الكبير إلى قراءة قصص ابن أخيه. هذه الخلطة العجيبة التي يُجيدها فؤاد العروي هي سرُّ جاذبيّته.
وسرعان ما وجدتُ نفسي منخرطا في تجاذُبٍ حيويٍّ مشوِّق مع المترجم. لذا، حينما طلب منّي الصديق محمد جاتم مراجعة ترجمته لهذه المجموعة لم أقاوم هذه الدعوة المُغرية لولوج ورشة المترجم، خصوصا أنها تُتيح لي فرصة نادرة للتّسلُّل إلى مطبخ أحد أهمّ كُتَّاب القصة المعاصرين. نفس الأسى. بيد أنَّ الاشتباك مع أعمال فؤاد العروي الروائية والقصصية بغايةِ ترجمَتِها يقتضي من المترجم تملُّكا تامّا للّغتين الفرنسية أوَّلا، ثمّ العربية بوجْهَيها الفصيح والدّارج، وكذا وعيا ثقافيّا بالعمق المغربي لمشروع هذا الكاتب المنخرط بتَفانٍ في مَغْرَبَة الكتابة الأدبية وتبْيِئَتها في التّربة السوسيوثقافية الأصلية؛ ممّا يجعلُه كقاصّ أقرب إلى إدريس الخوري ومحمد زفزاف منه إلى نُظرائه الفرنسيين من حفدة موباسان. وجدتُ النقاش يحتدم لأكثر من مرَّةٍ بيني وبين الصديق محمد جاتم أثناء فترة استمتاعي بمراجعة ترجمته الرّصينة. نفس الكآبة، نفس النحيب على الزمن الضائع والقسمة الجائرة”. وحصيلةُ هذا التفاوضِ المجموعةُ التي بين أيديكم. وإذا كان زفزاف والخوري قد توفّقا في تخليص القصة المغربية من مشرقيّتها لينفخا فيها روحا مغربية خالصة، فقد نجح العروي هو الآخر، من داخل الفرنسيةِ لغة وثقافة، في القبض على الرّوح المغربية والكتابة بها. ونذكر من بين هذه الجوائز جائزة الݣونكور التي حصل عليها عام 2013 عن مجموعته القصصية الشيقة “القضية العجيبة لبنطال الداسوكين”، وجائزة جان جيونو التي نالها سنة 2014 عن روايته الشهيرة “مِحَن السجلماسي الأخير”، إضافة إلى الميدالية الكبرى للفرنكوفونية التي منحتها له الأكاديمية الفرنسية. ليس تماما؛ لكننا قرّبنا وجهتي النظر وتفاوَضْنا بمُرونة لم تَخْلُ من احتدام. في نصٍّ قديم للمفكر المغربي عبد الله العروي حول فن “الأقصوصة”، انتقد هذا الأخير “الأقاصيص العربية” وخلص إلى أنها “تتماثلُ”، إذ “تواجِهُ من قصَّةٍ إلى أخرى نفس النساء يتخاصمن باليد واللسان، نفس الحرّاس والبوّابين يعجبون لعبث الأقدار ويتساءلون عن لغز الحياة وسرّ الموت، نفس الأطفال ينضجون مبكّرا ويسارعون إلى التلف والضياع، نفس السوّاقين والمعلّمين يخطّطون لمجتمع مثالي. حين طلبت مني دار النشر الأمريكية أكاشيك إعداد وتحرير أنطولوجيا “مراكش نوار”، لم أكن راضيا عن الغلَّة القصصية التي اجتمعَتْ لديّ، خصوصا أنّ كُتّابنا المغاربة ليسوا متمرّسين بأدب الجريمة والقصص البوليسية. وهو مَلمحٌ نادرٌ في الكتابات باللغة الفرنسية، وهذه إحدى أوجُه الصُّعوبة في التعامل مع ترجمة أعمال فؤاد العروي. مع فؤاد العروي، لا كآبة هناك ولا أسى. وهنا، احتدم النقاش بيني وبين المترجم في أكثر من موضع. بل إنّه لا يتحرَّج من مباغتة قارئه بجملة اعتراضية داخل جملة اعتراضية أخرى. لكن على القارئ أن يأخذ حذره. فعْلُ “الترجمة”، إذن، هو ما أنجزه فؤاد العروي في أعماله المكتوبة بالفرنسية. خصوصا الكآبة.
يبدو فؤاد العروي في كتابته أشبه ما يكون باللاعب العصري الذي يلعب كرة بسيطة ناجعة؛ لكن ما إنْ تطمئنّ إلى أسلوبه في اللعب حتى يفاجئك بمهاراتٍ عالية ومراوغاتٍ مذهلة. ففؤاد العروي يعتمد في كتابته بشكل واضح على الجمل الاعتراضية (تدقيق، توجيه، تصويب، معلومة…). حتى أنّه يكتُب أحيانا بالدَّارِجة؛ فالرّجل يعرف كيف يُفسِح المجال لدارجَتِه المغربية لكي تتسلَّل إلى مسامِّ فرنسيَتِه الأنيقة دون أن يَنتهِك حُرمة الفرنسية أو يخدش كبرياءها. لأجل ذلك، اعتبَرْتُ دائما حاجة أعمال فؤاد العروي إلى الترجمة إلى العربية مُلِحَّة؛ بل وضرورة قصوى. حين تُرجِمَ كتاب “الإسلام والتحليل النفسي” للتونسي فتحي بن سلامة من الفرنسية التي كُتِب بها إلى العربية، لم يتردّد هذا الأخير في الإقرار بأنّ الترجمة العربية هي الأصل. حتى الشخوص سيستعيدون تلقائيتهم وانسجامَهُم داخل الحوارات التي تألَّق العروي في “تهجيرها” إلى الفرنسية، لكنَّ أصلَها هنا: في لغات المغاربة، وأمزجتهم، وطُرق تفكيرهم، ومنطقهم، ومُتخيَّلهم، وعلاقاتهم المُلتبسة مع العالم والناس. لذا، التجأتُ إلى فؤاد العروي كما يلتجئ فريق محلّي ينوي المشاركة في بطولة دولية إلى خدمات لاعب محترف. فهي ليست مجرّد تفاعلٍ ثقافي وأدبي محمودٍ بين الآداب واللغات، بل هي أقرب ما يكون إلى عملية “استرداد”. هكذا، رحّبتُ بالفكرة بلا تردُّد. هل اتّفقنا في النهاية؟ أو على الأقل: بنية الجملة العربية هي الأصل. فالرجل يعرف كيف يخلط في طواجينه السردية معطيات الواقع والتاريخ بالإثنولوجيا والأنثروبولوجيا بعد أن يضيف إليها بهاراته الخاصَّة المميّزة. وكان فؤاد في الموعد. وفيما يلي نصّ التقديم الذي تصدّر هذه الترجمة الجديدة لمجموعة فؤاد العروي القصصية: على سبيل التقديم حين تشرع في قراءة قصة قصيرة أو رواية لفؤاد العروي سرعان ما ستُخمِّن جنسية الرجل: إنّه كاتبٌ مغربيّ. فاللغةُ سلسة ومُحكَمة في الآن نفسه، والسَّردُ شيّق. سيجد فيها عالما مختلفا عن العوالم القصصية التي استفزّتْه. والطريفُ هو أنّ تجذّر أعمال العروي القصصية والروائية في التّربة المحليّة واشتباكَها مع مُفارقات الحياة اليومية في مُدُن الهامش وهوامش المُدن، وانتصارَها للوجدان المغربي، كلُّ ذلك لم يَنَلْ من إشعاعها؛ بل بالعكس منحَها قيمة مُضافة أهّلَتْ فؤاد العروي لاقتناص أرفع الجوائز الأدبية. بل النقد المرِحُ الذّكي، والقبض النّبيه على المفارقات الفَكِهة، وغبطةُ خيالٍ مُجنَّح.
