الشغب بوصفه علامة وليس جريمة فقط لا يظهر شغب الشباب من فراغ ومن غير جذور، ولا ينفجر العنف في الملاعب وفي الشارع وفي الفضاءات الرقمية بسبب شباب يكرهون النظام الاجتماعي والسياسي والثقافي بالضرورة، بل يظهر الشغب مقرونا بالاحتجاج غالباً حين تفشل الهياكل الاجتماعية، بمعناها العام، في تحويل الطاقة الخام لدى الشباب إلى معنىً، وحين تعجز الأسرة والمدرسة والجامعة والحزب والنادي والنقابة والجمعية والإعلام، عن منح الشاب مكاناً يشعر فيه بأنه مرئي ونافع ومحترم ومشارك في بناء الغد. من غير البراغماتي تنمويا أن تُربِّي الأسرة وحدها وتُدرِّس المدرسة وحدها وتشتغل الجامعة على تنمية العقلانية والفكر العلمي وحدها، وأن يملأ النادي الرياضي الفراغ وحده، ثم تأتي الشرطة الوطنية في النهاية – وحدها وفي غياب عمل مسبق لكل الأطر الاجتماعية السابقة – لتدير الانفجار. لا ينجح بلد في الالتحاق بالقوى الصاعدة إذا ترك شبابه بين عطالة المعنى وهشاشة المدرسة وضعف الوساطة الثقافية وانكسار الثقة في المؤسسات. قال أرسطو: “الإنسان حيوان سياسي”، ولا تعني هذه الجملة أن الإنسان يحب السلطة فقط، بل تعني أنه لا يكتمل إلا داخل جماعة تنظمه وتسمعه وتطالبه وتكافئه. نحتاج تعاقدا اجتماعيا تربويا جديدا. تستطيع الجامعة ربط البحث العلمي بالرياضة وبالفنون وبالصحة النفسية وبالذكاء الاصطناعي، بالاقتصاد الاجتماعي أيضا وبالصناعات الثقافية. الثقافة اقتصاد وكرامة وليست ترفاً للنخب تؤكد اليونسكو أن الصناعات الثقافية والإبداعية تقع في ملتقى الفن والثقافة والتجارة والتكنولوجيا، وتولد قيمة اقتصادية وفرص عمل وخاصة لدى الشباب. – لا تقوم على القوانين وحدها، وإنما تقوم على تربية وتهذيب الرغبات وتنظيم الانفعالات وتوجيه القوة نحو الفعل العمومي. لذلك ينبغي أن نمنح الشباب فرصة ممارسة وظيفة المثقف الصغير داخل حيه ومدرسته وجامعته وناديه: يقرأ ويناقش يمثلو يغني ويصور ويكتب وينظم ويقترح بل وينقد أيضا. تواصل المملكة المغربية العمل على جعل شبابها رافعة حضارية كبرى ، وعلى الحكومة التعامل مع كل أشكال “الشغب” – حتى في أشكال التعبير الفني والسياسي – بوصفه إنذاراً، مع الأغنية والفيلم والمسرحية والكتاب بوصفها أدوات إنقاذ، ومع الرياضة بوصفها مدرسة وطنية ومع الجامعة بوصفها عقلاً استراتيجياً. يقتضي هذا التصور إدماج الأسرة والمدرسة والجامعة والرياضة والفنون ضمن هندسة استراتيجية تنموية واحدة. ينبغي استثمار هذا الوعي عوض الخوف منه. هكذا يتحول الشباب من متفرج غاضب إلى فاعل رمزي. تحتاج التنمية المغربية العميقة تعاقدا اجتماعيا-تربويا جديدا يوزع المسؤوليات بوضوح: في هذا السياق نقترح للنقاش أن: تربي الأسرة الناشئة آليات على الاحترام والإنصات والحدود، تعلم المدرسة مهارات اللغة والعقل والذوق والانضباط، تفتح الجامعة باب السؤال والبحث والابتكار، تمنح الرياضة طاقة الجسد أخلاق الفريق، تمنح الفنون لغةً للروح، يمنح الإعلام معنى للمواطنة بدل الإثارة الرخيصة، تمنح الدولة الإطار العادل والتمويل الذكي والتقييم المستمر وربط المسؤولية بالمحاسبة. يستطيع المغرب أن تحويل تراثه الموسيقي وزليجه ولباسه ومطبخه وسينماه ومسرحه وكتابه وفنونه الشعبية والحديثة، إلى رأسمال رمزي واقتصادي. – وأسرة تصغي ومدرسة تحتضن وجامعة تفكر – نرجو التوفيق للإصلاحات الجارية ونعتقد في حاجتها لملائمة وشجاعة أقوى – ودولة تخطط وتعدل وتثابر – استراتيجيا الحمد لله رب العالمين. يؤكد كل ما سبق على أن السؤال الشبابي لا ينفصل عن جودة الخدمات العمومية ولا عن الثقة السياسية. ينبغي أن تتحول هذه المؤسسات جميعها، إلى شبكة واحدة تمسك بالشاب قبل أن يسقط في العنف، وتفتح له باب التعبير قبل أن يصرخ، وتمنحه لغة قبل أن يستعمل الحجر. كما تبرز التقارير الدولية أن التعليم والصحة ومستوى العيش، تشكل أبعاداً مركزية في قياس التنمية البشرية، ولا يمكن فصلها عن الاستقرار الاجتماعي والسياسي. قال فريدريك شيلر، “يمر الطريق إلى الحرية عبر الجمال”. تخاطب الفنون بدى الشباب ما يسكن في العمق: الخوف والغضب والرغبة والإحباط والحب والحلم والإحساس بالمهانة والبحث عن الاعتراف. نقول بوضوح: لا يحمي الوطن جدارٌ أمني وحده بل يحميه شاب يقرأ وطفل يلعب في ملعب آمن – وهذا متوفر والحمد لله – وتلميذ يمثل فوق خشبة – وهذا نادر لحد الآن – وطالبة تبحث في مختبر، ومغنٍّ يمنح الناس لغة كرامة ومخرج يكشف الجرح – وهذا يحتاج إصلاحات شجاعة في ميادين السينما والتلفزيون أساسا – وكاتب يضيء الطريق – الكتاب!؟
تتحول الرياضة إلى عنف حين نفصلها عن التربية، وحين ترك المدرجات بلا تأطير، وحين اختزال النادي في سوق لاعبين، وعندما يكون حضور الأسرة والمدرسة والإعلام المسؤول في بنياتها ضعيفا. قال نيلسون مانديلا إن “للرياضة قوة على تغيير العالم، إنها تلهم وتوحد الناس بطريقة لا يكاد يفعلها شيء آخر”. هكذا فقط تتحول كل أشكال تعبيرات الشغب إلى: سؤال والسؤال إلى معرفة والمعرفة إلى سياسة والسياسة إلى تنمية والتنمية إلى حضارة. تنقذ الأغنية والفيلم والمسرحية والكتاب ما لا تنقذه الخطب تؤدي الأغنية والفيلم والمسرحية والكتاب دوراً لا تستطيع الإدارة العمومية أن تؤديه بالطريقة نفسها. قال أنطونيو غرامشي: “كل إنسان مثقف لكن لا يحظى الجميع بوظيفة المثقف في المجتمع”. ينبغي الكف عن اعتبار الجامعة مخزناً للشهادات فقط، علينا النظر إليها بوصفها ورشة لتكوين المواطن الخلاق، مواطن يفهم الاقتصاد والسياسة والثقافة يستطيع خدمة الدولة والمجتمع في آن واحد، مقابل صيانة كرامته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في حد أدنى مقبول. وتستطيع الجامعة أيضا قياس أسباب العنف في الملاعب والأحياء، واقتراح برامج للوساطة، بل وحتى إنتاج أفلام قصيرة ومسرحيات وكتباً مبسطة ومواد رقمية تخاطب الشباب بلغتهم. كما ترى الأمم المتحدة أن الثقافة والتراث والصناعات الإبداعية والسياحة الثقافية يمكن أن تتحول إلى أدوات استراتيجية للتنمية المستدامة. كما أبرزت تقارير صحفية دولية أن مطالب شبابية حديثة في المغرب ركزت على التعليم والصحة والمحاسبة. وينبغي أن يرافق كل برنامج رياضي برنامج ثقافي ونفسي وتربوي، فالعضلة التي لا يرافقها وعي قد تتحول إلى أداة تهور، بينما تتحول العضلة المواكَبة بالتربية والتوعية إلى أخلاق وقوة وكرامة. لذلك من الحكمة أن تشتغل الدولة والمجتمع معاً على تحويل السؤال الشبابي، إلى مشروع وطني متكامل. فالشباب الذي يطالب بمدرسة جيدة ومستشفى جيد وكرامة في المجال العمومي لا يهدد، وإما يذكرها بوعدها الأصلي العميق التجذر في لاوعي المواطن. لكن هذا لن يحدث إذا ظل الفنان هشاً والكتاب غالياً أو غائباً، والمسرح بعيداً عن الأحياء والسينما محصورة في المهرجانات والموسيقى الجادة بلا منصات، والجامعة بعيدة عن الصناعات الثقافية. نبهت وثائق التنمية الأممية الخاصة بالمغرب إلى أهمية التربية المدنية في المدارس، وإلى ربطها بتقوية التماسك الاجتماعي وقدرة الشباب على مقاومة التطرف والهشاشة الرمزية. ختاما لا تصعد الدول بالقوة الاقتصادية وحدها وإنما تصعد بتنظيم طاقة شبابها أيضا، ومنحهم أسباب الثقة، وربط المعرفة بالعمل وبالفن وبالاقتصاد، وربط الرياضة بالأخلاق والجامعة بالمدينة والأسرة بالمواطنة. لتحقيق ذلك لا تكفي المقررات المدرسية وحدها إذا ظلت جافة، ولا تكفي الشعارات الوطنية إذا لم تتحول إلى صور وأغانٍ وحكايات وشخصيات مسرحية وأفلام وكتب عميقة الصلة وقوية التمثيلية بأصالة، تجعل الشاب يرى نفسه داخل الوطن لا خارجه. علينا تعليم الطفل في الحي والمدرسة والنادي بأن الخصم ليس عدواً وأن الخسارة لا تبرر التخريب وأن الانتماء إلى فريق لا يلغي الانتماء الأكبر إلى الوطن. لذلك لا ينبغي حصر الرياضة في صناعة الفرجة والنتائج والكؤوس، بل من الاستراتيجي استثمارها في صناعة التوازن النفسي والاجتماعي. لا ينطبق الظلم هنا على الاستبداد السياسي وحده، بل يشمل أيضاً ظلم الطفولة حين نحرمها من مدرسة جيدة، وظلم الشباب حين نحاصره بلا أفق، وظلم الأحياء حين نتركها بلا مكتبات – الملاعب موجودة لكنها غير كافية – ومراكز ثقافية، وظلم الفنون حين نعاملها كترف، فوضوي متروك للسماسرة ولغير ذوي الكفاءة، لا كحاجة حضارية. قال جون ديوي بأن التربية “ليست مجرد إعدادٍ للحياة وإنما هي الحياة نفسها”. وقد شدد مانديلا في الخطاب نفسه على أن الرياضة تخاطب الشباب بلغة يفهمونها، وتخلق أملاً حيث يعشعش اليأس. لذلك من الحكمة قراءة الشغب حضاريا وليس أمنيا فقط.
يحمي الأمن المجتمع حين يقع الخطر، لكنه لا يصنع وحده مواطناً متوازناً ولا يخلق وحده نسقا اجتماعياً جديداً. لا يكفي أن بناء الملاعب والطرق والموانئ والمناطق الصناعية إذا لم نبن الإنسان القادر على استعمالها بوعي. وحين يفقد الشاب شعوره بالانتماء إلى المدينة، فإنه يبحث عن مدينة بديلة قد يجدها في جمهور غاضب أو عصبة رياضية أو مجموعة رقمية أو خطاب عدمي يَعِده بقوة سريعة ورمزية خاطفة. نحو سياسة تربوية ترى الشباب طاقة لا عبئاً تحتاج الدولة الحديثة إلى سياسة عمومية تتعامل مع الشباب ليس بوصفه رقم انتخابي، ولا كفئة عمرية عابرة ولا كموضوع للتهدئة الموسمية، وإنما كقوة تاريخية حاسمة في بناء المغرب الصاعد. لقد فهم فلاسفة السياسة، منذ أرسطو إلى حنة أرندت، أن المدينة – أين سياسات المدينة ببلادنا وآثارها الاستراتيجية؟!؟ وقال باولو فريري “لا يحرر أحد أحداً، ولا يحرر أحد نفسه وحده، فالناس يحررون أنفسهم في جماعة”. لا تصنع الرياضة الأبطال فقط، بل تصنع المواطنين تمنح الرياضة الشباب ما يحتاجه المجتمع السياسي: القاعدة والفريق والخصم والحكم والجهد والهزيمة والانضباط ثم التقدير. قال ابن خلدون إن “الظلم مؤذن بخراب العمران”. ينبغي أن تفتح الجامعة فضاءاتها للنقاش العمومي الرصين، وأن تجعل من النوادي الثقافية مختبرات للمواطنة، لا مجرد أنشطة هامشية توضع في آخر جدول السنة، أو كتكوينات فنية – السينما والمسرح مثلا – للتأقلم مع موجات أكاديمية تفرغ الفن من بعده الإنساني الجمالي الإبداعي، تحت مسمى استيفاء الشروط الأكاديمية. ربط الجامعة بسؤال المدينة والاقتصاد والثقافة من غير المفيد ولا البراغماتي ترك الجامعة المغربية جزيرة معزولة ومتعالية للمعرفة النظرية فقط وهما كانت الخطب والتصريحات والإصلاحات غير المنتجة، ينبغي أن تحويلها إلى عقل للمدينة ومختبر للسياسات المحلية، وفضاء لتحويل الشباب من مستهلكين للغضب إلى منتجين للحلول. لذلك ينبغي أن تنظم المدرسة المغربية ورشات دائمة للقراءة والمسرح والسينما والموسيقى، ليس باعتبارها مناسبات احتفالية عابرة كما هو الشأن منذ عقود، وإنما باعتبارها جزء مبرمج ومندمج في استراتيجيات التدريس والتربية والتكوين ضمن بناء الشخصية. يعني ذلك أن الأغنية والفيلم والمسرحية والكتاب لا يخدمون الوجدان فقط، بل يخدمون الاقتصاد أيضاً. تنمية عميقة وليس تنمية إسمنتية فقط تحتاج المملكة المغربية، وهي تسير بحكمة وإصرار ملكي استراتيجي رصين وسط عالم مضطرب وقاس، إلى تنمية تمسك بالبنية التحتية وبالبنية الثقافية-النفسية معاً. فالشاب الذي يتعلم أن يصغي إلى أغنية راقية، ويشاهد فيلماً ذكياً، ويقرأ رواية عميقة، ويصعد إلى خشبة مسرح مدرسية أو جامعية، يتدرب على تأجيل العنف، وعلى تحويل الانفعال إلى شكل، والغضب إلى لغة، والرغبة في الصراخ إلى قدرة على التعبير. Voice Of Time حين نفهم هذه العبارة جيداً نكف عن اعتبار المدرسة ممراً نحو الامتحان فقط ونتحول لنفهمها وننظر إليها بوصفها تجربة يومية لتعلُّم العيش المشترك. لقد دعت خطابات ملكية عديدة ومتابعات دولية حديثة إلى تسريع الإصلاحات الاجتماعية، إلى تقوية وتيرة التشغيل وإلى تحسين الخدمات والحد من الفوارق المجالية، وخاصة في المناطق الهشة. ولا يكفي أن رفع مؤشرات الاستثمار إذا لم نرفع معها مؤشرات القراءة والثقة والذوق والمشاركة والانضباط والقدرة على الحوار. تتوفق الدولة – عن طريق حكوماتها التنفيذية المقتدرة والمستندة للكفاءات حقيقة – حين تُحوِّل الاحتجاج إلى إصلاح والغضب إلى مشاركة والانتقاد إلى تعاقد جديد بين المؤسسات والمجتمع. تكشف هذه العبارة أن الذوق ليس ترفاً وأن الفن ليس زينة ترافق أو تأتي بعد التنمية، بل هما شرط من شروطها.
