جاء الحضور الوازن لهذا المساء من يومه الجمعة 8 ماي 2026 مكثفاً بتواجد نخبة من المهتمين بقاعة الشريف الإدريسي بمعرض الكتاب بالرباط. وأوضح الدكتور العمارتي بأن الوتبة العملاقة في التوثيق للكلمات والعمارة بقصور الحمراء حصلت مع غارسيا إميليو غارسيا غوميز Emilio García Gómez (1905-1995م)، الأستاذ الجامعي القادم من مدريد لغرناطة الذي نقل دواوين الشعراء من الجدران للكتب على مدى 20 سنة من العمل المتواصل والدؤوب، مما حافظ على الإرث الأندلسي الضخم من الضياع. فأدرك الإسبان مبكراً قيمة هذه العمارة بزخارفها المكتوبة المنطوقة بوضوح العبارة وسُمُوِّها فبادروا بالتَّالي لحمايتها خاصة إثر تعرضها للكوارث المتتالية الطبيعية منها (الزلزال والصواعق، والحرائق…) أو البشرية (توسيع وتجديد، ترميمات غير مناسبة، وهجومات الأعداء…). وأوضح سي محمد العمارتي أن عمل غارسيا غوميز توجه لتحقيق، وترجمة، وشرح القصائد المنقوشة على جدران قصور الحمراء، قصائد في مجملها للوزير الشاعر ابن زمرك الصريحي (توفي 1395م). يقول ابن زمرك في مطلع قصيدة نقشت في قاعة الأختين: أنا الروض قد أصبحتُ بالحسن حالياً** * تأمل جمالي تستفيد شرحَ حالياَ صورة العمارة العروس بالعودة للصورة الفنية التي أبدعها ابن الخطيب: أنا العروس من الريحان لي حُللٌ*** والبهو تاجي والصهريجُ مرآتي – صور العمارة الفردوس، وهذا بيت من قصيدة نقشت على إحدى الطاقات (النوافذ): كأنه من جنة الفردوس منشأه *** فهذه غرف من فوقها غرفٌ – صور المقدس التي جاد بها لسان الدين بن الخطيب وهو يمدح السلطان محمد الخامس الملقب بالغني بالله : أَثَرُ الإِمامِ مُحَمَّدٍ *** ظِلُّ الإِلَهِ عَلى الجَميع. Voice Of Time ووقف سي محمد العمارتي عند أعمال الرواد الأوائل الذين ساهموا في نقل الكلمات من الجدران إلى الكتب رغم عدم إلمامهم بالعربية الفصحى ومن بينهم إيمليو لافوينتي دي ألكانطارا Emilio Lafuente y Alcántara (1825-1868م) . وتجلت محتويات المداخلة الثانية للدكتور سي السعيد الدريوش في تسليط المزيد من الضوء على معالم “الجدران الناطقة” لقصور الحمراء كظاهرة جديرة بالاهتمام التي تبين براعة الشاعر الغرناطي باعتبار هذه الأشعار موشحات، قصوريات على نمط المعلقات. إذ حملتْ ظاهرة نقش الأشعار على القصور السلطانية دلالات عميقة تحتاج للغوص في ماهيتها وتوقيتها في مرحلة اشتداد الخطر على ملوك بني الأحمر! وقد كان للحضور المغربي والعربي دور أساسي في تشكيل هذه الحضارة الإنسانية المتعددة الروافض والمرجعيات.
وطبعت تجليات النقوش بقصور الحمراء أشعاراً استفرد بها شعراء كابن الجياب، ابن زمرك، ولسان الدين بن الخطيب. غير أن البعد الجمالي والهوياتي كانت له الكلمة الأخيرة لحضارة معالمها العمرانية خاطبت الضمير الإنساني بصيغة المستقبل ولا زالت تخفي الكثير من الأسرار. واتخذت هذه الأشعار، بحسب سي الدريوش، عدة أشكال منها ما نُقش على القبور، على أباريق الماء والنافورات، على الوسائد والسيوف والأستار، وعلى الجدران والقباب، والطيقان والحمامات… وجاء عرض الدكتور السعيد مكثفا من ناحية الدلالة والمدلول عارضاً لتطور نقش الأشعار من زمن سلطان عبد الرحمان الداخل، مروراً باهتمامات عباس بن فرناس على الساعة المائية “المنكانة”، وولادة بنت المستكفي التي طرزت بيتين بماء الذهب على طرازها الأيمن والأيسر. وتكلفت الدكتورة العالية ماء العينين بتسيير هذه الجلسة الباذخة. وقد تَيسَّر للحضور الوازن والمتخصص الذي تتبع العرض الأول للدكتور سي محمد العمارتي من الوقوف على المساهمات الوازنة للمستعربين الإسبان في إبراز معالم هذه الحضارة، وخاصة قصور الحمراء وجنة العريف، باعتبارها رافداً إسلامياً من روافد الهوية الإسبانية. وهكذا يضيف الدكتور العمارتي، بأن الاهتمامات الفيلولوجية سمحت فيما بعد للتفكير والعمل على التوثيق والانفتاح على الأبعاد الجمالية والتصويرية للنقوش والكتابات الشعرية التي ستلهم شعراء الإسبان المتأخرين، أمثال الشاعر رافائيل ألبرتي ميرييو Rafael Alberti Merello المنتمي لجيل 27، وشعراء آخرين تأثروا بأشعار مترجمة من العربية للإسبانية بطريقة أخاذة مثل ما هو الحال مع أعمال المستعرب الإسباني إميليو غارسيا غوميز، في مؤلفه (أشعار عربية على جدران قصر الحمراء ونوافيره Poemas árabes en los muros y fuentes de la Alhambra)). وأقدم الدكتور السعيد الدريوش على تصنيف هذه الأنماط من النقوش في أربعة أنواع مقدما أمثلة توضيحية في هذا الباب : نقش الشعر على الحجر والجبص؛ الرسم بالأشعار؛ الرقم بالأشعار المتجلي في التطريز على عمامة السلاطين وعلى الأثواب… الكتابة أو الخط. نحن إذن أمام كتابات وعمارة ينهالان من العوالم الأرضية والسماوية بأبعاد كونية شمولية تُبقيها خالدة متوهجة، مثيرة وملهمة؛ لم لا وهي تجمع بين ثلاثة فنون بحسب الدكتور السعيد: فن الشعر، فن الخط، وفن المعمار؛ من المعالم الخالدة للوجود الإسلامي في الضفة الأخرى. وعليه تتواصل القراءات في قصور الحمراء من طرف باحثين على قلتهم؛ إسبان، عرب، ومغاربة، وأجانب توثيقاً للنقوش ومعرفة للعلاقات الخفية فيما بينها وبين المعارف والفنون المتفرقة في العالم. وقف الدكتور العمارتي، خلال عرضه، على دور مدرسة بني كوديرة وتلامذتها، مبينا قيمة الأعمال التي أنجزها باسكوال دي غايانغوس Pascual de Gayangos y Arce (1809-1897م)، وفرانسيسكو كوديرا زيدين Francisco Codera Zaidín (1836-1917م) في الدَّفع بجوانب من معالم هذه الحضارة لتصل للجمهور الواسع.
” تعبر في كينونتها عن لحظة التقاء الشرق بالغرب على درب المعرفة والحق في الاختلاف والتسامح والتعارف، مما جعل هذه الحضارة مُلهمة فاتحة أفقاً بديلاً للبشرية ومُشكلة لنمط فني مبتكر. مع مبالغة أخرى نجدها عند ابن فركون، وزير يوسف الثالث حيث يقول: أطلعتَ شمسي بعدما***غربتْ كأنكَ يوشعُ صور السلطان الباني يجسدها بيت من مطلع قصيدة لابن زمرك: كُلُّ صُنْعٍ أَهْدَى إِليَّ جَمَالَهْ … وَحَبَانِي بَهَاؤُهُ وَكَمَالَهْ وساهمت هذه الأشعار المنقوشة لشعراء ديوان الإنشاء، في حفظ جوانب من الذَّاكرة الأندلسية والإنسانية وتطورت أغراضها وآثارها مع الإقبال على دراستها من طرف الأكاديميين واستغلال الآليات التكنولوجية مع تطور الصورة لتنقل النقش المادي على الجدران إلى الورقي، ومنه إلى الصورة الثابتة والمتحركة كما وضح ذلك بتركيز عرضي الدكتور محمد العمارتي والدكتور السعيد الدريوش. وظلت هذه الأشعار المكتوبة آسرة للنفوس متناغمة مع الرسم بالرغم من التناقض الذي تحمله الكلمات والأشياء “المصورة” في بيئة إسلامية أندلسية خاصة تتجنب رسم الكائنات الحية. وسيتواصل العمل ببعد أكاديمي صرف مع إضافات أغنت هذه المجال مع الإنتاجات العلمية لداريو كابنيلاس رودريغيث Dario Cabanelas Rodriguez (1916-1992م). وحول هذا النمط الأخير أشار الدكتور السعيد لوجود 79 نصا مكتوباً، وهو رقم يوحي بمدى الاهتمام بالخط العربي خاصة الشكل الدائري تعبيراً عن تفريد فني وعن تقريب الإنسان من أسرار الإبداع بتداخل جمالي جمع بين :المُجنس، والمُظفر، والمُغصن، والمُرصَّع؛ وهي أساليب وموشحات بديعة مشتركة في تناظر فاتن بين الشعر والخط أبهرت المستعربين والمستشرقين والزوار من مختلف بقاع العالم كاشفة لهم ولغيرهم الفلسفة الجمالية التي تبناها سلاطين بنو النَّصر. يتعلق الأمر بتقديم عرض الأندلس “الكتابة والعمارة” الذي تناوب على إلقائه الأكاديميين: الدكتور محمد العمارتي والدكتور السعيد الدريوش. “لا زالت الأندلس تشكل لحظة استثنائية في تاريخ الإنسانية. وقدم الدكتور السعيد الدريوش صوراً من هذه الأشعار المنطوقة باسم المتكلم ومن بينها: صورة العمارة الناطقة التي تدعو الزائر إلى التأمل.
