مَوْسِمُ الوجوه المعلّقة والوُعود المعلّبة متى تبدأ الحملة الانتخابية فعلًا؟ لم أعرف بماذا أعد. فضحك ضحكة قصيرة، تلك الضحكة التي يقول بها الكبار الحقيقة حين يخافون من شَرْحها. اختصرت الطريق وقلت: أعدكم بكل شيء. في طفولتي، ظننتها مجرد زلات لسان، مثل أخطاء الأطفال حين يخلطون الكلمات. ولماذا يقولون “معًا” دائمًا من فوق منصة عالية؟ بعد أيام، كنت أعود فأجد وجهًا ممزقًا، عينًا اختفت، فَمًا شطّبه الغضب، وجبهةً احتلها مرشح آخر. كيف تتحوّل الأزقّة الهادئة، في لحظة واحدة، إلى معرض واسع لابتسامات مستعجلة ووعود معلّقة؟ كبرت، واكتشفت أن المشكلة لم تكن في طفولتي، كانت في اللعبة نفسها. نفس الوجوه، نفس الكلمات، نفس الفراغ، مع نبرة أكثر نعومة، كأن الحقيقة تحتاج إلى كرسي مريح كي تختبئ جيدًا. كنت أردِّدُها كما أردد أناشيد المدرسة، بحماس طفل لا يعرف أن بعض الكلمات تعمل مثل العطر الرخيص: تنتشر بسرعة، ثم تترك صداعًا خفيفًا. في تلك اللحظة فهمت درسًا سياسيًا مبكرًا: كلما كبر الوعد، صار أسهل في النطق وأصعب في المحاسبة. هل يبتسم هذا الرجل وهو يأكل وحده؟ في المساء، حين تخفت الأصوات وتنام مكبرات الصوت أخيرًا من فرط الوطنية، كنت أسأل نفسي: لماذا يحتاج الكبار إلى كل هذا الضجيج كي يقولوا أشياء بسيطة؟ أما التجمعات، فقد كانت مهرجانًا مجانيًا لنا نحن الأطفال. كنت أنام وأنا مقتنع أنني حين أكبر سأفهم اللعبة. سألت أبي مرة: هل تعيش هذه الكلمات معنا بعد الانتخابات؟ صار الناس يسمونها “بودكاستات”. ومع ذلك، كنا نحتفظ بها في جيوبنا، كأنها ستنضج يومًا ما. كانت الشعارات أول درس تلقَّيْتُه في البلاغة حين ترتدي بدلة رسمية وتبيع الهواء. واليوم أسأل نفسي: هل كان ذلك الطفل ساذجًا لأنه ضحك، أم كان أكثر فطنةً لأنه أدرك أن الضحك، أحيانًا، هو آخر وسيلة لمقاومة الخديعة؟ يترشح أحدنا، ويجلس الآخرون في دور الشعب الذي يصفق بسرعة ويندم ببطء. عندها كنت أشعر أن المدينة دخلت معركة صامتة، وأن الجدران وحدها تدفع الفاتورة.
نظر إليّ أصدقائي بجدية ناخبين ينتظرون المعجزة. ذلك الطفل الذي كان يرى فيها مهرجانًا واسعًا في الشارع: أصواتٌ عالية، وجوهٌ متحمسة، ضحكٌ وتصفيقٌ وخصومات عابرة، ثم ناسٌ يعودون إلى بيوتهم محمّلين بالوعود كما يُحمَل الغبار على الثياب. وجوه غريبة تزاحم تشققات الطلاء، تبتسم بثقة فاخرة لم يمنحها أحد لها. كانت السيارات ترمي الوعود كما ترمي الحلوى في الأعراس. مكبرات الصوت حين تنوب عن الحقيقة وجاءت “الخرجات” لتكشف ما لا تكشفه الخطب. وجوه موسمية على جدران مُتعبة أتذكر أن الحملة الانتخابية في طفولتي كانت تشبه العيد، عيدًا بدون مناسبة تقريبا، وبلا سبب محترم للفرح. أحاديث مسجلة، طويلة، هادئة، مرتبة مثل غرفة استقبال لا يعيش فيها أحد. حاولت مرة أن أقلد المرشحين. كنا نستيقظ فنجد الجدران قد بدّلت ملامحها في الليل، كأن المدينة خضعت لعملية تجميل رديئة. مستقبل من؟ صفقوا بحرارة. هل يعرف أسماء الأطفال الذين يمرون تحت صورته؟ كنت أظن أن المدينة اكتشفت فجأة عائلة واسعة من الأقارب، جاءوا من العدم كي يبتسموا لنا، ثم يختفوا بعد أن ينتهي الموسم. وهل تغيّر العرض، أم تغيّرت الإضاءة واللافتات والممثلون؟ حين يصبح الجدار أكثر صدقًا من الخطيب كانت الملصقات لعبتي المفضلة. كان الكبار يضحكون أو يغضبون، وكنت أشعر أن ستارًا صغيرًا انزاح، وأن الوجه الحقيقي أطلّ لثانية، ثم عاد مسرعًا إلى صورته الرسمية. Voice Of Time فهل تغيّرت الحملة الانتخابية حقًا، أم أنها بدّلت أقنعتها فقط؟ ثم من يجرؤ، في النهاية، على طرح السؤال الذي يفسد المسرحية كلها: إذا لم يكن هذا العرض موجّهًا إلينا، فلماذا تُعلَّق أسماؤنا على بابه؟ هل يستطيع أن يصبح جارًا عاديًا يشتري الخبز وينسى المفاتيح؟ وقفت فوق حجر صغير في الحيّ، رفعت يدي كما يفعلون، وقلت بصوت مرتجف: أعدكم… ثم توقفت. ولماذا يطمئن الكبار إلى هذا الاحتفال الموسمي، بينما يلتقط الأطفال، ببراءتهم القاسية، خللًا خفيًا في الحكاية؟ لاحقًا فهمت أنها لحظات نادرة تهرب فيها اللغة من حارسها، فتقول ما درّبوها طويلًا على إخفائه.
كنا نلتقطها بفرح، ثم نكتشف أنها لا تصلح للأكل، ولا تصلح حتى للذكرى. كنتُ أفهم الحملة يومها كما يفهم الطفل المسرح: عرضٌ كبير، كثير الضجيج، قليل الحقيقة. لم أفهم خُطَبهم، غير أنني فهمت قاعدة ذهبية: التصفيق لا يحتاج إلى عقل، يحتاج فقط إلى شخص يبدأ، ثم يتكفل التجمُّعُ بالباقي. ينظرون إلى الوجوه المعلّقة، يصغون إلى الشعارات، يركضون خلف السيارات الصاخبة، ثم يتساءلون: هل جاء هؤلاء حقًا لإنقاذنا، أم لمجرّد تزيين الجدران إلى حين؟ كنا نركض خلف السيارات التي تطلق الأغاني الحماسية في الشوارع، لا لأننا فهمنا البرنامج، ولا لأننا اخترنا قناعة سياسية مبكرة، وإنما لأن الصوت العالي يمنح الطفل شعورًا كاذبًا بأنه يشارك في حدث عظيم. كلمات ضخمة مثل: الكرامة، الغد، الإصلاح، المستقبل. وحين سألنا المعلم عما نريد أن نصبح، لم نقل أطباء ولا مهندسين، قال بعضنا بحماس: نريد أن نصبح وجوهًا على الجدران. المدينة التي تغيّر صورها ولا تغيّر حالها كلما عادت الحملة الانتخابية، عاد معها طفلٌ قديم في داخلي. لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر. كنت أسمعها فأشعر أنها اعترافات طويلة يحرص أصحابها على ألا يعترفوا بأي شيء. أحين يعلّق المرشحون صورهم على الجدران، أم حين تبدأ المدينة في التصرّف كأنها تعرفهم منذ زمن بعيد؟ لم يكن يفوز الأذكى، كان يفوز من يستطيع الكلام طويلًا دون أن يقول شيئًا واضحًا. كنت أعدّ الوجوه، أختار أكثرها لطفًا، وأحاول أن أتخيل أصحابها في حياتهم اليومية. في المدرسة، اخترعنا لعبة اسمها المرشح والناخب. وهل تحتاج الحقيقة إلى مكبّر صوت، ومنصّة، وصورة بحجم نافذة، كي تقنع الناس بأنها موجودة؟ هكذا تعلّمنا أن بعض الوعود لا تموت، إنها فقط تنتقل من حملة إلى أخرى، مثل أثاث قديم يبدل أصحابه ويحتفظ بنفس الغبار. لماذا لا يتحدثون كما نتحدث نحن، بدون منصات، ولا شعارات، ومن غير وجوه معلقة فوق رؤوسنا؟ كنا نضحك، لكننا كنا نتدرب على العالم الحقيقي دون أن ننتبه. ثم كبرت قليلًا، وظهرت أدوات جديدة. أما الشعارات، فقد تحولت في رأسي إلى ألغاز صغيرة: “معًا من أجل المستقبل”؛ أي مستقبل؟ كنت أشعر أن كلمة “معًا” لها طابَقان: طابق سفلي نعيش فيه نحن، وطابق فاخر يصعدون إليه وحدهم بعد انتهاء التصفيق. يا لها من طموحات مُعلقة بمسامير رخيصة. فوق المنصات، كان الرجال يصرخون كثيرًا، يلوّحون بأيديهم كأنهم يطردون ذبابة عملاقة لا يراها أحد.
