“حوثنة” البوليساريو

في خضم التحولات الكبرى التي عرفتها منطقة شمال إفريقيا خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي، وفي ظل أجواء الحرب الباردة والصراع الإيديولوجي بين المعسكرين الشرقي والغربي، ظهرت عدة حركات مسلحة وحركات “تحرر” في القارة الإفريقية والعالم العربي، مستفيدة من موجة تصفية الاستعمار والصراعات الحدودية التي أعقبت استقلال عدد من الدول. وفي المقابل، لعب نظام القذافي دورًا محوريًا في دعم البوليساريو خلال مرحلتي السبعينات والثمانينات، انسجامًا مع توجهاته الثورية آنذاك، حيث تبنى سياسة تقوم على تمويل وتسليح عدد من الحركات المسلحة في إفريقيا والعالم العربي. ومن هنا، تعززت القناعة الدولية بضرورة الدفع نحو حل سياسي واقعي ونهائي لهذا النزاع، يقوم على مبادرة الحكم الذاتي التي تقدمت بها المملكة المغربية باعتبارها حلاً جديًا وذا مصداقية. وأمام تنامي خطر التنظيمات المسلحة وانتشار السلاح والطائرات المسيرة في منطقة الساحل والصحراء، بدأ المنتظم الدولي ينظر إلى نزاع الصحراء المغربية من زاوية أمنية واستراتيجية تتجاوز البعد السياسي التقليدي. كما كانت طرابلس ترى في دعم البوليساريو جزءًا من مشروعها السياسي الرامي إلى توسيع النفوذ الليبي داخل منطقة الساحل والمغرب العربي. وقد تشكلت الحركة الانفصالية “البوليساريو” في ظرف اتسم بتصاعد الخطابات الثورية والقومية داخل المنطقة المغاربية، حيث كانت الأنظمة العسكرية ذات التوجه الاشتراكي ترى في دعم الحركات المسلحة وسيلة لتعزيز نفوذها الإقليمي ومواجهة خصومها السياسيين. وقد أثارت هذه المعطيات مخاوف متزايدة من محاولة “حوثنة” المنطقة، عبر خلق نموذج ميليشياتي مشابه لما حدث في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق الإقليمي والدولي المعقد، تأسست جبهة البوليساريو سنة 1973، في وقت كانت فيه إسبانيا تستعد لمغادرة الصحراء، بينما كان المغرب يعتبر الإقليم جزءًا من وحدته الترابية والتاريخية، استنادًا إلى روابط البيعة والامتداد التاريخي بين مختلف القبائل والحواضن الاجتماعية والعرش العلوي الشريف. وقد وفرت ليبيا لقيادة الجبهة السلاح والمال والتدريب، وساهمت في تعزيز قدراتها العسكرية، خاصة خلال سنوات المواجهات المسلحة مع بلادنا. وفي هذا الإطار، جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني الأسبق علي أكبر ولايتي إلى مخيمات تندوف سنة 1982، في خطوة اعتبرها كثير من المراقبين مؤشرًا مبكرًا على رغبة إيران في بناء علاقات مع الحركات المسلحة والتنظيمات التي يمكن أن تخدم استراتيجيتها الإقليمية في إفريقيا والعالم العربي. Voice Of Time كما أن تصاعد المخاوف من تنامي النفوذ الإيراني والحركات المسلحة العابرة للحدود ساهم في زيادة الضغط الدولي على الجزائر والبوليساريو من أجل الانخراط في تسوية سياسية تضمن استقرار المنطقة، وتحول دون تحويل شمال إفريقيا إلى فضاء مفتوح أمام الميليشيات والسلاح والأيديولوجيا الهدامة والفوضى الإقليمية. ومع تطور الأوضاع الدولية والإقليمية، عاد ملف العلاقة بين إيران والبوليساريو إلى الواجهة بقوة خلال السنوات الأخيرة، بعد تقارير تحدثت عن دعم عسكري وتدريبي ولوجستي تقدمه طهران للجبهة عبر وسطاء وشبكات مرتبطة بـ”حزب الله”، إضافة إلى اتهامات مرتبطة بوصول طائرات مسيرة إيرانية الصنع إلى عناصر البوليساريو برعاية جزائرية. ومع مرور الوقت، تحولت البوليساريو من حركة ناشئة محدودة الإمكانيات إلى تنظيم مسلح مدعوم إقليميًا، مستفيدًا من الغطاء السياسي والعسكري الجزائري والليبي، إضافة إلى دعم بعض الأنظمة والمنظمات ذات التوجه الاشتراكي والثوري خلال فترة الحرب الباردة.

وقد اعتبرت الجزائر النزاع حول الصحراء ورقة استراتيجية لإضعاف المملكة المغربية واستنزافها سياسيًا وعسكريًا، في إطار صراع جيوسياسي أوسع حول الزعامة الإقليمية في المغرب العربي. ومنذ السنوات الأولى، وجدت الجبهة دعمًا قويًا من النظام الجزائري الذي احتضن قيادتها فوق أراضيه بمخيمات تندوف، وفتح أمامها المجال للتدريب والتسليح والتحرك الدبلوماسي والإعلامي. وقد ساهم هذا الدعم في إطالة أمد النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، وتحويله إلى أحد أكثر الملفات تعقيدًا في منطقة شمال إفريقيا. فاستمرار النزاع ووجود تنظيم مسلح خارج إطار الدولة أصبح يثير مخاوف متزايدة لدى عدد من القوى الدولية، خصوصًا في ظل تنامي الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية في المنطقة المغاربية والساحل الإفريقي. وفي بداية الثمانينات، بدأت ملامح تقارب جديد بين البوليساريو وإيران تظهر بشكل تدريجي، خصوصًا بعد نجاح الثورة الإيرانية سنة 1979 وبروز سياسة “تصدير الثورة” التي تبنتها طهران.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *