دعوة للمراجعة والمناظرة

رغم مُضي واقعة “صلاة باب دكّالة” بمراكش، إلا أنه لا زالت “القَرْبالة” متواصلة، في صفّين: أحدهما يوالي “حفيذ” سعد بن عبادة، والآخر يناهض “الكوفيّين”(من الكوفيّة) الموالين لطروحات “أذْرع إيران”. لقد طغى السِّباب وتاه الشّباب، وتمادت النُّعوت بعدما فَجَرت الخصومات. وإن كان من جهة القِدَم تاريخياً، فتاريخ الوهّابية بدأ مع محمّد بن عبد الوهّاب، أي منذ مائة عام، بينما حضارة من تسمّونهم “مجوس” عمرها 6000 عام. ولماذا يَقْدحون في القوميّات؟ ولن يتأتى ذلك إلا بتركيز التعليم وتعميمه إلى أقصى حدّ في المناطق الجبلية والقروية، وتحريم استعمال أية لغة أو لهجة في المدرسة والإذاعة والتلفزة غير العربية الفصحى”. وإن كان من ناحية الفِرْقة الإسلامية الأقرب لروح القرآن، وبالرّجوع إلى صريح القرآن الحكيم، تكونُ “الطّائفة الأقلّ” أي أتباع المذهب الجعفري، هي الأقرب للحَقّ، الذي “لا يكون إلاّ واحداً” (7). الهوامش (1) الحقّ لا يُعرف بالعدد أو بالنّسبة كالأكثرية والقلّة، فقد ذمّ اللهُ تعالى الأكثرية فقال: “وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ” (سورة الأنعام، 116)، وقال: “وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” (سورة لقمان، 25)، وقال: “وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ” (سورة العنكبوت، 63)، وقال: “وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ” (سورة الأنعام، 119). لا أدري من أيّ منطلق ينطلقون؟ وإذا كان العقل الفقهي، قد أفتى بـ “إعدام وإقبار ما شَجَر بين الصحابة”، فإنّ العقل العروبي بدوره، أوصى بـ “إماتة لغات أقوام آخرين”. وإن كان من جهة المنهج الأصحّ في اتّباع روح القرآن الحكيم، فالإيرانيون يُعملون المذهب الجعفري فيعرضون الأحاديث على القرآن، ما وافقه فهو صحيح وما خالفه “فعرْض الحائط أوْلى به” (5). Voice Of Time فهذه “بِنْت الصّالحين” وذاك “وليٌّ من أولياء الله”، ولا ندري غداً لناظِره قريب، ربّما يخرج علينا من يدّعي المَهْدوية، خصوصاً في هذه الأجواء التي لا زال البعض يعتقد أنّ “القرآن نزل على قريش”! لكن هذا القول يتعارض مع قوله تعالى: “مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ” (سورة الأنعام، 38). علاّل الفاسي نفسه كان يُعاتب هذه “الفتوحات”، يقول: “إنّ مشكلة اللغة العربية ليست اليوم، وإنّما تعود لقرون مضت، حيث أنّ أجدادنا العرب نُؤاخذهم على وقوفهم في فتوحاتهم عند السّهول وتركوا الجبال ولم يقتحموها، فضلّت معاقل للعُجْمَة البربرية، وها هي العربية مهددة اليوم من العُجْمَة الداخلية والخارجية (يقصد الأمازيغية والفرنسية)” (4).

صار المرْء لا يُلقي بالا لذاك “البالِسْتي” الذي يُطلقه من منصّات التواصل، كما منصّة الفاتح من ماي، ولا لتلك “المُسيّرات” التي خلَفَت المَسيرات، تجول فوق أسْطح الأعْراض والحُرُمات. (8) محمد عابد الجابري مثلاً يقول: “إنّ عمليّة التّعريب الشّاملة لا يجب أن تستهدف فقط تصفية اللّغة الفرنسية كلغة حضارة وثقافة وتخاطب وتعامل، بل أيضاً ـ وهذا من الأهمية بمكان ـ العمل على إماتة اللهجات المحلية البربرية منها أو ‘العربية’ الدارجة. (5) هذا على اعتبار أنَّ منهجية “عِلم الرِّجال” قد تسقط في الخطأ، ما دام هؤلاء الرّجال غير معصومين، لكن في المقابل تبقى منهجية “العرض على القرآن” محدودة على اعتبار أنّ “القرآن حمّال أوجه” وأنّه، حسب البعض، لم يفصّل كلّ أمور العقائد والعبادات وأحكام الحياة، ودليلهم في ذلك، هو تفصيلُ السنّة النبويّة لعدد ركعات الصلوات وشعائر الحجّ ومقدار الزكاة. وإن كان من جهة كبار الأئمّة والمحدّثين، الذين يعتمدهم “أهل السنة والجماعة”، فأكثرهم كانوا فُرْساً من إيران: كالبخاري إمام المحدّثين، ولد في بخارى بأوزبكستان؛ والإمام مسلم صاحب كتاب “صحيح مسلم” ولد في نيسابور شرق إيران؛ والإمام أبو حنيفة النعمان ولد بالعراق؛ والإمام الترمذي صاحب كتاب “سنن الترمذي” ولد في ترمذ بأفغانستان؛ والإمام النّسائي صاحب كتاب “سنن النسائي” ولد في نسا بتركمانستان على حدود إيران؛ وابن ماجة صاحب كتاب “سنن ابن ماجة” ولد في قزوين بإيران؛ والحاكم النّيسابوري صاحب كتاب “المستدرك على الصحيحين” ولد في نيسابور شرق إيران؛ والإمام السّرَخْسي صاحب الكتاب “المبْسوط” و”الأصول” من سرَخْس في خراسان بتركمانستان؛ والإمام أبو حامد الغزالي صاحب كتاب “إحياء علوم الدين” و”تهافت الفلاسفة” ولد في طوس (مشهد) شرق إيران؛ والإمام أبو المعالي الجُوَيني ولد في جوين شرق إيران؛ والإمام الرّافعي الملقب بـ “شيخ الشافعية” وصاحب “الشرح الكبير” ولد بقزوين في إيران. (6) أنظر مقالنا “ضجّة الاستدلال على الإستبدال”، جريدة هسبريس، 26 يونيو 2025. (7) أنظر مقالنا “المُرافَعَة الكُبْرَى لفائدة الحَقّ ضِدَّ البَاطِل”، جريدة هسبريس، 21 مارس 2024. وكأنّنا للأسف في خضمّ نُسخة جديدة من فيلم “الرّسالة”، بإخراج شَعْبوي باهت وتمويل من العبَث حيناً ومن التّفاهة والتّرف الفكري أحياناً أخرى. سيبويه نفسه إمام النُّحاة ومؤسّس علم النّحو في اللغة العربية، وصاحب كتاب “الكتاب” ولد في شيراز بإيران؛ والإمام الطبري صاحب كتاب “تفسير الطبري” ولد بإقليم طبرستان شمال إيران؛ والإمام الرّازي صاحب كتاب “التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)” ولد في الرّيّ قرب طهران بإيران؛ والإمام البغوي صاحب كتاب “تفسير البغوي (معالم التنزيل)” ولد في خراسان شرق إيران؛ والجُرْجاني صاحب كتاب “دلائل الإعجاز” و”أسرار البلاغة” ولد في جُرْجان شرق إيران؛ وغير هؤلاء كثير. وبالتالي فإنّ العقلين: العُروبي المتمثّل في القومجيين، و”العقل الفِقْهي” الذي يتحرّك به الإسلامويّون، هما وجهان لعملة واحدة. ولذلك وجبت المراجعة، مثلما تراجع كثير من هؤلاء، عن أفكار سالفة عفا الله عنها، وكما دعا الشيخ محمد الفيزازي، صاحبَ قناة “فُلك” “للمُباهلة أو المناظرة أو التّوبة”، ندعوه نحن كمتابعين بدورنا، إلى الاستجابة لطلب مناظرة علماء الشّيعة المسلمين (الجعفرية)، بعدما مضى على دعوته من طرف هؤلاء (المجوس كما يقولون) عقد ونصف من الزّمن، على أن تكون علنيّة “وأن يُحشر الناس ضُحى” (الآية). (4) علال الفاسي، “فعّالية العربية”، مجلّة اللّسان العربي، 1965. فإن كان من جهة العلاقات الدولية، فـ”لا إكراه” قد قُطعت العلاقات، والسّياسة كجوّ الطّقس، ربّما يوماً ما تنْجلي الغيْمات. (3) حسن فرحان المالكي، “هاكم أصول الدواعش!”، موقع: حسن بن فرحان المالكي، 25 سبتمبر 2012. وإن كان من جهة كثرتهم العددية، فالحقّ لا يُعرف بالكثرة، لأنّ الله تعالى مدح الأقلّية وذمّ سبحانه الكثرة (1)، كما أنّ سبب “كثْرتكم” قد يرجع إلى ما يسمّى بـ”الفتوحات”، التي شابتها جرائم مقترفة في حقّ الشّعوب (2)، وما “داعش” إلا نسخة من تلك الهوامش، التي طبعت على مرّ التاريخ جبين الأوائل (3).

في إطار هذه الفوْضى، صار بعض الفقهاء والمشايخ، ينعتون الإيرانيّين بـ”المجوس” ويحكمون على عقيدتهم بـ”الشّرْك”، كأنّما لهم وحدهم مفاتيح الجِنان؛ النّار و”صُكوك الغفران”. رجاءً دعوا القرآن الحكيم في سلام، لأنّه يجمع الجميع. (2) أنظر مقالنا “الأمازيغ أخوال لأئمّة أهل البيت”، جريدة هسبريس، 9 مارس 2025. وِزْر هذا الخطأ قد يتحمّله ذاك الذي سمّى حزبَه بآيات قرآنية أو جزء منها، وقس على ذلك الذي سمّى فصيلَه بـ”العدل والإحسان”، قال تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ” (سورة النّحل، 90). الكلٌّ يهلّ بهلالِه، تماماً كما قال عبد الله بن العباس بالأمس لمعاوية: “أيُلْزِمُنا من في الشّام أن نصوم معه، ونحن في الحِجاز؟!” وبعد إقحام “مَفْتاحة” في الفاتح من ماي هذا العام، وبعد توالي ردود الناس، بخصوص ما شَجَر بين زعيم السّلفيّين و”حفيذ” الصّحابي الأنصاري الخَزْرَجي، بدا واضحاً للعيان مدى الضلّ المُلْقى على عقولنا من طرف الشّرق الشّقيق على كل حال. “بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ” (سورة النّساء، 49). هذا التّضْمين يُحيلنا إلى الاستعمال الأوّل للدّين من طرف الخوارج، لآية “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ” (سورة يوسف، 40)، إبّان احتجاجهم على التّحكيم الذي هم فرضوه في الأوّل، فكان ذلك من قبيل “الحقّ الذي يُراد به باطل” كما قال الإمام علي بن أبي طالب. على ذكر هذه “الفتوحات” نتساءل بدورنا عن سبب تغطيتها للسّواحل فقط، ولماذا لم تتوغّل في أدغال إفريقيا مثلاً؟ في المقابل، مدَح عَزّ وجلّ الأقلّية فقال: “وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ” (سورة سبأ، 13)، وقال: “وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وقَلِيلٌ مَّا هُمْ” (سورة ص، 24)، وقال: “وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ” (سورة غافر، 28)، وقال: “وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ” (سورة هود، 40)، وقال: “وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ” (سورة يونس، 55)، وقال: “وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ولَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ” (سورة النمل، 73). لكنّ اللّوم هنا على كل حال، لا يقع على الأتباع، بقدر ما يقع على أصحاب المنابر والأقلام والمنصّات، أولئك الذين يُحوّرون الأسماء والمسمّيات، الواردة في الآيات المُحْكمات، يقولون: “حزب اللاّت” بدل “حزب الله”، والله يقول: “أولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (سورة المجادلة، 22). وحيث أنَّ القرآن الكريم يتضمّن: الصريح والمُشْكَل، الظاهر والباطن، وكذا المنسوخ والمُحْكَم، فإنّنا سيراً على نهج العرض على القرآن، تكون عدة أحاديث من قبيل حديث “سِحْرِ النَّبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)” ساقطة. وإن كان من جهة “الأزْهر الشّريف” ورأيه فيهم، فقد اعترف الشيخ محمود شلْتوت في 1961 بالمذهب الجعفري، وأفتى بجواز “التّعبّد به كمذهب خامس”. الوهّابي في سنوات الثمانينات من القرن الماضي، حصر العقل المسلم في بوْتَقة الأصولية، والقومجي بدوره زرع بذور التّباهي بالسّلالة والنّسب والتّعصّب للقوميّة (8). وإن كان من ناحية “الإسْتبدال” (6)، فقد اعترف القاصي والدّاني في خضمّ النّقاشات الدائرة “برَدْهات” وسائل التّواصل الاجتماعي، أنّ “الله قد استبدل قوماً بآخرين” إثر قصّة “إسناد فلسطين” (الآية 38 من سورة محمد: “وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم”).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *