عاد نزاع الصحراء المغربية إلى صدارة المباحثات الجزائرية الأنغولية، عقب استقبال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لنظيره الأنغولي جواو لورينسو، الذي يقوم بزيارة رسمية إلى الجزائر، حيث أجرى الجانبان مباحثات تناولت العلاقات الثنائية وآفاق تطوير التعاون المشترك، إلى جانب عدد من القضايا الإقليمية والدولية المدرجة على أجندة القارة الإفريقية. كما عززت زيارة وفد مغربي رفيع إلى لواندا مطلع سنة 2025، ضم وزير الخارجية ناصر بوريطة، تقديرات تحدثت آنذاك عن إمكانية حدوث تقارب أكبر في الموقف الأنغولي؛ غير أن التصريحات الأخيرة الصادرة من الجزائر تعيد طرح تساؤلات بشأن اتجاهات الدبلوماسية الأنغولية وحدود موقفها الفعلي في هذا الملف الإقليمي. ولفتت المتحدثة إلى أن القرارات الأممية الأخيرة، لا سيما قرار مجلس الأمن 2703 وقرار مجلس الأمن 2748 وقرار مجلس الأمن 2797، كرست مقاربة واقعية قائمة على حل سياسي دائم ومتوافق بشأنه، مع تثبيت مبادرة الحكم الذاتي كأساس جدي وذي مصداقية للدفع بالمسار السياسي. وعن البعد الحقوقي والقانوني، ذكرت لغزال أن الخطاب السياسي المصاحب لهذه التحركات يتجاهل متطلبات المساءلة الدولية المرتبطة بوضعية مخيمات تندوف، كما يتغاضى عن عرقلة إحصاء وتسجيل السكان، خلافا لما تدعو إليه قرارات مجلس الأمن الدولي. تذبذب سياسي من جانبها، سجلت مينة لغزال، منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن المباحثات الدبلوماسية الأخيرة التي جمعت الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بنظيره الأنغولي جواو لورينسو بالجزائر العاصمة تجسد محاولة واضحة لإعادة التموضع الاستراتيجي، من خلال السعي إلى إعادة إقحام نزاع الصحراء المغربية في صدارة الأجندة الإفريقية. غموض لواندي تعقيبا على الموضوع، قال نجيب التناني، رئيس المركز المتوسطي لحقوق الإنسان، إن لغة المصالح كثيرا ما تكون أكثر تأثيرا من المواقف السياسية المعلنة؛ وهو ما يظهر، حسب تقديره، في التصريحات الصادرة خلال لقاء الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ونظيره الأنغولي جواو لورينسو. Voice Of Time
وأشارت المصرحة عينها إلى أن لواندا أبدت، خلال السنوات الماضية، بوادر انفتاح براغماتي تجاه المغرب؛ من خلال مشاورات رفيعة المستوى لتعزيز الربط الجوي وجذب الاستثمارات في قطاعات الزراعة والأسمدة. وأضافت لغزال، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن الجزائر حاولت، عبر توظيف خطاب التحرر التقليدي المرتبط بحق تقرير المصير، كسر طوق العزلة الدبلوماسية الذي تواجهه في ظل تنامي الزخم الدولي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، خاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا وفرنسا. ويأتي هذا المستجد في سياق توصف فيه السياسة الأنغولية تجاه القضية الوطنية بعدم الثبات؛ بالنظر إلى استمرار علاقاتها مع جبهة “البوليساريو” الانفصالية، إذ سبق للسلطات الأنغولية أن استقبلت ممثل الجبهة في لواندا، كما احتضنت زعيمها إبراهيم غالي خلال احتفالات الذكرى الخمسين لاستقلال البلاد. وقال تبون، خلال ندوة صحافية مشتركة أعقبت المحادثات، إن الجزائر وأنغولا تتمسكان باحترام القانون الدولي وتدعمان ما وصفه بـ”حق الشعوب في تقرير المصير”، في إشارة إلى مواصلة دعمهما للانفصال في الصحراء المغربية؛ وهو تصريح أعاد التأكيد على تقاطع الموقفين الجزائري والأنغولي في هذا الملف. وبخصوص دوافع التحرك الجزائري، أوردت منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية أن أنغولا تمثل دولة محورية في إفريقيا الجنوبية؛ وهو ما يفسر سعي الجزائر إلى منع انتقال مزيد من دول المنطقة نحو دعم الوحدة الترابية للمغرب، على غرار ما وقع في عدد من دول غرب ووسط القارة. وأضاف التناني، ضمن تصريح لهسبريس، أن الإشارة إلى تقرير المصير وردت على لسان الرئيس الجزائري دون أن تصدر مباشرة عن الرئيس الأنغولي؛ ما يستدعي قراءة أوسع للسياق السياسي والاقتصادي المحيط بالزيارة. كما نبه المحلل السياسي عينه إلى أنه لا يستبعد صدور توضيحات أو مواقف لاحقة من الخارجية الأنغولية بعد الجدل الذي رافق الندوة الصحافية المشتركة، بما قد يعكس مقاربة أكثر توازنا تجاه هذا الملف.
وأكد الخبير في نزاع الصحراء المغربية أن الإعلان عن تخصيص آلاف المنح الدراسية لفائدة طلبة أنغولا، إلى جانب توقيع اتفاقيات تعاون بين البلدين، يوحي بوجود اعتبارات مصلحية متبادلة تواكب المواقف المعلنة في مثل هذه المناسبات الرسمية. وأجمل نجيب التناني بالقول إن القرار الأممي الخاص بمجلس الأمن رقم 2797 ومسار الأمم المتحدة يظلان الإطار المرجعي الحاسم؛ فيما لم تعد مثل هذه التصريحات الظرفية قادرة على التأثير الفعلي في مسار قضية الصحراء المغربية. وأكدت الناشطة الحقوقية أن الموقف المشترك الصادر عقب الزيارة يعكس حالة من التأرجح التي تسم السياسة الخارجية الأنغولية تجاه هذا النزاع. وخلصت مينة لغزال إلى أن هذا التطور يمثل مكسبا ظرفيا للدبلوماسية الجزائرية؛ لكنه يرهن العلاقات المغربية الأنغولية ويؤجل فرص الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، مشددة على أن استمرار لواندا في سياسة التوازن بين الجزائر والرباط قد يصبح مكلفا سياسيا ودبلوماسيا في ظل تنامي الإجماع الدولي الداعم لمغربية الصحراء. واستحضر المتحدث أن عددا من الاتفاقيات التي أبرمتها الجزائر مع دول إفريقية خلال فترات سابقة ظل في إطار الرسائل السياسية والإعلامية أكثر من تحوله إلى شراكات استراتيجية مستدامة ذات أثر ملموس. في المقابل، كانت أنغولا قد بعثت، في مراحل سابقة، إشارات إيجابية نحو المملكة المغربية، حين أكد وزير خارجيتها تيتي أنطونيو، خلال زيارة إلى الرباط سنة 2023، دعم بلاده لجهود الأمم المتحدة ومبعوثها الشخصي ستافان دي ميستورا من أجل التوصل إلى حل سياسي توافقي ودائم للنزاع.
