“كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ” سورة الجمعة رغم أنني اشتغلت كمدير أو كرئيس تحرير في قلب صحف عديدة وبعدها ككاتب ثم كمدير لمنشورات النورس، أي أنني منذ أكثر من 35 سنة وأنا في القلب النابض لاستهلاك الورق ولي احتكاك مباشر بمجال المقروئية وانتشار الكتب والجرائد، ومع ذلك صدمت بالمعطيات التي أدلت بها ليلى الشاوني مديرة منشورات “الفنيك” حول القراءة واستهلاك الكتب في الجلسة التي احتضنها رواق المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمعرض الدولي للكتاب في ندوة “الثقافة ورهان التنمية”. حتى الذين يكتبون في معظم الأحيان، يكتبون دون أن يقرأوا، كأن الأدب صار نوعًا من إنتاج الضجيج أو موضة مثلها مثل العمرة والرياضة والتغذية النباتية والماستر في الجامعة. وليس صحيحًا أنهم لا يملكون المال أو الوقت. يقتبسون الأسماء الكبيرة للتظاهر بأنهم قرأوا لها، ماركس، فرويد، سارتر، فريدريك نيتشه، ميشيل فوكو، ابن رشد، النفري، ابن عربي وأدونيس… أسماء تُستعمل أحيانًا مثل عطور ثقافية رخيصة لإخفاء عرق الفراغ ونتانة الجهل والأمية. وأجد أنهم لا يقرأون ليس بسبب ضعف قدرتهم الشرائية، ولا بسبب غلاء الكتب، ولكن بسبب أميتهم وجهل حتى المتعلمين منهم.. وربما الحقيقة الأكثر مرارة هي أن البعض منا لا يكره القراءة لأنها صعبة، بل لأنها تفضحه. المسألة أن مجتمعًا كاملًا تعلّم كيف يعيش دون أن يفكّر، وكيف يكرّر نفسه بلا خجل، وكيف يخاف من كل ما قد يوقظه من سباته الطويل. في الوقت الذي لا يطبع الكاتب أكثر من 500 نسخة من عمله ولا يبيع منها سوى مائة نسخة في المتوسط خلال ثلاث سنوات من عرض الكتاب؟ بلدٌ يعتبر الأول إفريقيا في تجديد وتعميم الهواتف في الوقت الذي تبدو فيه المكتبات كعيادات مهجورة لمرضٍ انقرض منذ قرون. مجتمع يصفّق بسرعة، ويكره بسرعة، وينسى بسرعة، لأنه لا يملك ذاكرة فكرية تحميه من التحول إلى جمهور دائم الانفعال وقليل التأمل. إننا في الدرك الأسفل من موريتانيا وليبيا ونيجيريا في مجال القراءة واستهلاك الكتب. في المغرب، يمكن أن تجد طبيبًا يفتح صدر إنسان ولا يفتح كتابًا ولا مجلة حتى في مجال اختصاصه، وتعثر على محامي يحفظ مواد القانون كما يحفظ الببغاء الشتائم، لكنه لا يقتني رواية ولم يقرأ في حياته صفحة من كتاب فلسفي، وأستاذًا يا حسرة يشرح الأدب مثل موظف يطبع الطوابع لم يقرأ ديوان شعر، وقاضيًا يوزّع الأحكام بوجه رخامي بينما لم تهزّه رواية واحدة في حياته، وسياسيا يحلل أوضاع أمّة وليس في منزله كتاب واحد. كنا صغارا وكان آباؤنا يعتبرون القراءة لعبا لا جدا، ومضيعة للوقت… أما النخبة، فتلك نكتة سوداء طويلة. كيف؟ والمغاربة، في الغالب، لا يريدون أن يعرفوا أنفسهم أكثر مما ينبغي. أي شعب أمي هذا؟
الكثير من رموز زبدة النخبة المغربية يضعون الكتب خلفهم في الصور كما يضع بعض الأثرياء حوض سمك في الصالون: للزينة فقط. الحقيقة أن المغاربة يدهشونني كثيرا فيما يخص علاقتهم بالكتاب.. يريك حجم الفراغ الذي تعيش فيه، حجم الأكاذيب التي سكنت لغتك، حجم الحياة التي ضيّعتها وأنت تعتقد أنك تعيش. نحن نتحدث عن اقتناء الكتاب لا قراءته بالضرورة، أي جحيم هذا؟ فمجتمع لا يقرأ هو مجتمع يسهل قيادته بالخوف، بالشائعة، بالقطيع، بالهستيريا الجماعية. لا يعاني المغاربة من أزمة قراءة.. فالكتاب الجيد مرآة قاسية. ويبلغ عدد الأساتذة الجامعيين (الأساتذة الباحثين) في المغرب حوالي 14 ألف أستاذ وأستاذة. وفقاً لإحصائيات الموسم الدراسي 2026/2025، تجاوز عدد أطر التدريس في التعليم العمومي بالمغرب 299 ألف أستاذة وأستاذ.. لا أزمتهم أكبر، إنهم يعانون من مجاعة روحية كاملة. والمغاربة وجدوا في الجهل ملاذًا أسهل من مواجهة ذواتهم. شيء قريب من الجنون أو التعالي أو البطالة المقنّعة. لا يخاف المغاربة الجهل، أحس أنهم يخافون أن يبدوا مختلفين إذا قرأوا. لأن القراءة حقا فعل تهديد. يخافون من تلك اللحظة التي يكتشفون فيها أن حياتهم كلها قد تكون نسخة باهتة من حياة لم يختاروها أصلًا. أي نخبة هاته التي لا تقرأ؟
لأن القراءة الحقيقية محكمة سرية يُستدعى إليها القارئ مكبّلًا بأسئلته القديمة. من أصل 314 ألف مدرسة ومدرس، لكي لا نتجاوز النخبة إلى القضاة والمحامين والأطباء والمهندسين… مجموع المبيعات السنوية للكتب بالمغرب لا تتجاوز سقف خمسة عشر ألف كتاب كنسبة متفائلة؟ لهذا لا يقرأ الناس. لهذا يبدو العنف عاديًا، والقبح عاديًا، والتفاهة عادية. بمعدل أقل من كتاب كل أربعة أشهر. دعكم من مشاريع القراءة وبرامج تقوية القراءة كما تتردد في أروقة الوزارات والمكاتب الفخمة، فالأمر مجرد تجارة وهميزات ودعم وفساد مالي وزبونية وفرجة بلا رؤيا ولا تخطيط، وبهرجة إعلامية إلا من رحم ربك من المؤسسات الجادة حقا ومن فاعلين مدنيين لا يصلهم إلا الفتات من الدعم ومع ذلك يعملون مثل جنود الظل بالكثير من نكران الذات والتطوع المدني ويكرهون الآضواء. الكتاب ليس شيئًا بريئًا؛ إنه أداة لخلخلة الطاعة، لإفساد اليقين المعلّب، لإدخال الشك إلى العقول التي تربّت على الامتثال أكثر مما تربّت على السؤال. 314 ألف من ممتهني التعليم، ممن يوجدون في علاقة مفترضة بالكتاب، رغم أنه لا توجد أرقام رسمية دقيقة لعدد مبيعات الكتب السنوية في المغرب، نظراً لضعف الدراسات الميدانية وتداخل السوق بين الكتب الورقية، الرقمية، والمستعملة. ولذلك يفضّل الكثير من المغاربة البقاء داخل الأمية الهادئة؛ فالجهل أرحم من المعرفة وأقل تكلفة من مواجهة الذات. الإنسان يجد دائمًا وقتًا لما يشبهه. يتحدثون عن الفكر كما يتحدث السائح عن مدينة مرّ بها نصف ساعة. قد تسمع في المقاهي، نقاشًا طويلًا عن كرة القدم أو الفضائح أو المؤامرات الكونية، لكنك نادرًا ما ترى شخصين يتشاجران حول رواية أو فكرة أو قصيدة. ثمة شيء متصدّع في العمق، أعمق من أزمة كتاب، وأقذر من مجرد عزوف عن القراءة. لم تكن القراءة منذ عقود في المخيال العام للمغاربة ضرورة، بل شبهة.. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن سوق النشر المغربي ينتج أقل من 1800 عنوان سنوياً، بينما كشفت تقارير أن 64.3% من المغاربة لم يشتروا أي كتاب منذ عام 2016، ويقدر متوسط ما يقرأه الفرد بالمغرب نحو 2.97 كتاباً سنوياً.
