مأساة القراءة بالمغرب

“كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ” سورة الجمعة رغم أنني اشتغلت كمدير أو كرئيس تحرير في قلب صحف عديدة وبعدها ككاتب ثم كمدير لمنشورات النورس، أي أنني منذ أكثر من 35 سنة وأنا في القلب النابض لاستهلاك الورق ولي احتكاك مباشر بمجال المقروئية وانتشار الكتب والجرائد، ومع ذلك صدمت بالمعطيات التي أدلت بها ليلى الشاوني مديرة منشورات “الفنيك” حول القراءة واستهلاك الكتب في الجلسة التي احتضنها رواق المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمعرض الدولي للكتاب في ندوة “الثقافة ورهان التنمية”. والمغاربة، في الغالب، لا يريدون أن يعرفوا أنفسهم أكثر مما ينبغي. والمغاربة وجدوا في الجهل ملاذًا أسهل من مواجهة ذواتهم. ثمة شيء متصدّع في العمق، أعمق من أزمة كتاب، وأقذر من مجرد عزوف عن القراءة. يخافون من تلك اللحظة التي يكتشفون فيها أن حياتهم كلها قد تكون نسخة باهتة من حياة لم يختاروها أصلًا. ويبلغ عدد الأساتذة الجامعيين (الأساتذة الباحثين) في المغرب حوالي 14 ألف أستاذ وأستاذة. وأجد أنهم لا يقرأون ليس بسبب ضعف قدرتهم الشرائية، ولا بسبب غلاء الكتب، ولكن بسبب أميتهم وجهل حتى المتعلمين منهم.. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن سوق النشر المغربي ينتج أقل من 1800 عنوان سنوياً، بينما كشفت تقارير أن 64.3% من المغاربة لم يشتروا أي كتاب منذ عام 2016، ويقدر متوسط ما يقرأه الفرد بالمغرب نحو 2.97 كتاباً سنوياً. بلدٌ يعتبر الأول إفريقيا في تجديد وتعميم الهواتف في الوقت الذي تبدو فيه المكتبات كعيادات مهجورة لمرضٍ انقرض منذ قرون. أي نخبة هاته التي لا تقرأ؟ قد تسمع في المقاهي، نقاشًا طويلًا عن كرة القدم أو الفضائح أو المؤامرات الكونية، لكنك نادرًا ما ترى شخصين يتشاجران حول رواية أو فكرة أو قصيدة. من أصل 314 ألف مدرسة ومدرس، لكي لا نتجاوز النخبة إلى القضاة والمحامين والأطباء والمهندسين… مجموع المبيعات السنوية للكتب بالمغرب لا تتجاوز سقف خمسة عشر ألف كتاب كنسبة متفائلة؟ نحن نتحدث عن اقتناء الكتاب لا قراءته بالضرورة، أي جحيم هذا؟ وفقاً لإحصائيات الموسم الدراسي 2026/2025، تجاوز عدد أطر التدريس في التعليم العمومي بالمغرب 299 ألف أستاذة وأستاذ.. المسألة أن مجتمعًا كاملًا تعلّم كيف يعيش دون أن يفكّر، وكيف يكرّر نفسه بلا خجل، وكيف يخاف من كل ما قد يوقظه من سباته الطويل. لهذا لا يقرأ الناس.

فمجتمع لا يقرأ هو مجتمع يسهل قيادته بالخوف، بالشائعة، بالقطيع، بالهستيريا الجماعية. لا أزمتهم أكبر، إنهم يعانون من مجاعة روحية كاملة. الكثير من رموز زبدة النخبة المغربية يضعون الكتب خلفهم في الصور كما يضع بعض الأثرياء حوض سمك في الصالون: للزينة فقط. دعكم من مشاريع القراءة وبرامج تقوية القراءة كما تتردد في أروقة الوزارات والمكاتب الفخمة، فالأمر مجرد تجارة وهميزات ودعم وفساد مالي وزبونية وفرجة بلا رؤيا ولا تخطيط، وبهرجة إعلامية إلا من رحم ربك من المؤسسات الجادة حقا ومن فاعلين مدنيين لا يصلهم إلا الفتات من الدعم ومع ذلك يعملون مثل جنود الظل بالكثير من نكران الذات والتطوع المدني ويكرهون الآضواء. حتى الذين يكتبون في معظم الأحيان، يكتبون دون أن يقرأوا، كأن الأدب صار نوعًا من إنتاج الضجيج أو موضة مثلها مثل العمرة والرياضة والتغذية النباتية والماستر في الجامعة. لأن القراءة حقا فعل تهديد. لا يخاف المغاربة الجهل، أحس أنهم يخافون أن يبدوا مختلفين إذا قرأوا. الإنسان يجد دائمًا وقتًا لما يشبهه. فالكتاب الجيد مرآة قاسية. شيء قريب من الجنون أو التعالي أو البطالة المقنّعة. يريك حجم الفراغ الذي تعيش فيه، حجم الأكاذيب التي سكنت لغتك، حجم الحياة التي ضيّعتها وأنت تعتقد أنك تعيش. مجتمع يصفّق بسرعة، ويكره بسرعة، وينسى بسرعة، لأنه لا يملك ذاكرة فكرية تحميه من التحول إلى جمهور دائم الانفعال وقليل التأمل. في الوقت الذي لا يطبع الكاتب أكثر من 500 نسخة من عمله ولا يبيع منها سوى مائة نسخة في المتوسط خلال ثلاث سنوات من عرض الكتاب؟ كنا صغارا وكان آباؤنا يعتبرون القراءة لعبا لا جدا، ومضيعة للوقت… أما النخبة، فتلك نكتة سوداء طويلة. بمعدل أقل من كتاب كل أربعة أشهر. 314 ألف من ممتهني التعليم، ممن يوجدون في علاقة مفترضة بالكتاب، رغم أنه لا توجد أرقام رسمية دقيقة لعدد مبيعات الكتب السنوية في المغرب، نظراً لضعف الدراسات الميدانية وتداخل السوق بين الكتب الورقية، الرقمية، والمستعملة.

أي شعب أمي هذا؟ وربما الحقيقة الأكثر مرارة هي أن البعض منا لا يكره القراءة لأنها صعبة، بل لأنها تفضحه. كيف؟ لهذا يبدو العنف عاديًا، والقبح عاديًا، والتفاهة عادية. وليس صحيحًا أنهم لا يملكون المال أو الوقت. الكتاب ليس شيئًا بريئًا؛ إنه أداة لخلخلة الطاعة، لإفساد اليقين المعلّب، لإدخال الشك إلى العقول التي تربّت على الامتثال أكثر مما تربّت على السؤال. لم تكن القراءة منذ عقود في المخيال العام للمغاربة ضرورة، بل شبهة.. إننا في الدرك الأسفل من موريتانيا وليبيا ونيجيريا في مجال القراءة واستهلاك الكتب. ولذلك يفضّل الكثير من المغاربة البقاء داخل الأمية الهادئة؛ فالجهل أرحم من المعرفة وأقل تكلفة من مواجهة الذات. يقتبسون الأسماء الكبيرة للتظاهر بأنهم قرأوا لها، ماركس، فرويد، سارتر، فريدريك نيتشه، ميشيل فوكو، ابن رشد، النفري، ابن عربي وأدونيس… أسماء تُستعمل أحيانًا مثل عطور ثقافية رخيصة لإخفاء عرق الفراغ ونتانة الجهل والأمية. لأن القراءة الحقيقية محكمة سرية يُستدعى إليها القارئ مكبّلًا بأسئلته القديمة. لا يعاني المغاربة من أزمة قراءة.. الحقيقة أن المغاربة يدهشونني كثيرا فيما يخص علاقتهم بالكتاب.. يتحدثون عن الفكر كما يتحدث السائح عن مدينة مرّ بها نصف ساعة. في المغرب، يمكن أن تجد طبيبًا يفتح صدر إنسان ولا يفتح كتابًا ولا مجلة حتى في مجال اختصاصه، وتعثر على محامي يحفظ مواد القانون كما يحفظ الببغاء الشتائم، لكنه لا يقتني رواية ولم يقرأ في حياته صفحة من كتاب فلسفي، وأستاذًا يا حسرة يشرح الأدب مثل موظف يطبع الطوابع لم يقرأ ديوان شعر، وقاضيًا يوزّع الأحكام بوجه رخامي بينما لم تهزّه رواية واحدة في حياته، وسياسيا يحلل أوضاع أمّة وليس في منزله كتاب واحد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *