التقارب بين الجزائر وإيران يثير الجدل حول تهديد حرية الملاحة الدولية

أثار إعلان الجزائر الامتناع عن التصويت على مشروع القرار الأممي المتعلق بحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز تساؤلات عدة بشأن خلفيات هذا الموقف وتوقيته، خاصة في ظل الإجماع الدولي والعربي الواسع الذي حظي به النص داخل الأمم المتحدة. وعن الخلفيات التاريخية لهذا التقارب، أوضح المتتبع للوضع الدولي أن “العلاقة بين الجزائر وإيران ليست وليدة الظرفية الحالية، بل تعود إلى مرحلة ما بعد الثورة الإيرانية سنة 1979، حيث تشكل مع مرور الوقت نوع من التقاطع السياسي والإيديولوجي بين النظامين، رغم اختلاف المرجعيات المعلنة بينهما”، لافتا إلى أن “القاسم المشترك ظل مرتبطا بطبيعة الأنظمة المغلقة والسعي إلى توظيف الملفات الإقليمية في إطار صراعات النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوى داخل المنطقة”. ولفت المصرح ل إلى أن “هذا التباين في المواقف يعزز فرضية وجود تقاطع سياسي متزايد بين الجزائر وإيران في بعض الملفات الإقليمية الحساسة، وهو ما ينعكس على طبيعة مواقفها داخل المحافل الدولية، خاصة فيما يتعلق بقضايا الأمن البحري وأمن الخليج”. وأضاف حمدات، ضمن تصريح ل، أن “هذا السلوك السياسي والدبلوماسي يعد استمرارا لنهج يقوم على توظيف الملفات الدولية في سياقات تتجاوز أحيانا مقتضيات الإجماع الدولي، خاصة حين يتعلق الأمر بقضايا ترتبط بأمن الممرات البحرية وحرية الملاحة. ويركز مشروع القرار على ضمان أمن الملاحة البحرية وتأمين حركة الشحن التجاري وإمدادات الطاقة العالمية، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز باعتباره أحد أكثر المعابر الحيوية لنقل النفط والغاز عبر العالم. وأردف المتحدث أن “هذا التقارب انعكس بشكل أو بآخر على عدد من القضايا المرتبطة بمنطقة الساحل والصحراء، في ظل اتهامات متكررة لطهران بمحاولة توسيع نفوذها غير المباشر عبر شبكات وتحالفات ذات أبعاد سياسية وإيديولوجية”، مضيفا أن “المغرب، في المقابل، حافظ على خط دبلوماسي واضح قائم على دعم الاستقرار الإقليمي، والدفاع عن أمن الملاحة الدولية، وتعزيز الشراكات العربية القائمة على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها”.

أما بشأن الامتناع عن التصويت على القرار الأممي الذي حظي بتأييد 112 دولة، فأورد المهتم بالملفات الدولية أن “هذا الموقف يطرح أسئلة حول درجة انسجام السياسة الخارجية الجزائرية مع مواقف الإجماع العربي والإفريقي، خصوصا وأن عددا من هذه الدول صوت لصالح مشروع يهدف إلى تأمين الممرات البحرية وضمان انسيابية التجارة وسلاسل الإمداد العالمية”. وأكد المتحدث أن “المرجعيات القانونية الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982 (اتفاقية جامايكا)، تنص بشكل واضح على ضمان أمن البحار والمحيطات والمضايق وحرية الملاحة الدولية باعتبارها ركائز أساسية للاستقرار الاقتصادي والأمني العالمي، وهو ما يجعل أي تردد في دعم هذه المبادئ محل قراءة نقدية داخل الأوساط الدولية”. وفي مقابل الموقف الجزائري، صوّت المغرب لصالح مشروع القرار، منسجما مع مواقفه الداعمة لأمن واستقرار دول الخليج العربي، مؤكدا التزامه بحماية حرية الملاحة الدولية وصون الأمن الطاقي العالمي، وذلك امتدادا للمواقف التي عبرت عنها الرباط في مناسبات سابقة، سواء عبر إدانة الهجمات التي استهدفت منشآت مدنية ونفطية خليجية، أو من خلال تأكيد تضامنها مع دول المنطقة في مواجهة التهديدات الأمنية. ويرى مراقبون أن امتناع الجزائر عن دعم القرار الأممي يعكس استمرار مقاربتها الدبلوماسية المتحفظة تجاه المبادرات المرتبطة بأمن الخليج، خاصة في ظل ما يعتبره مراقبون تقاربا متزايدا بين الجزائر وطهران خلال السنوات الأخيرة، مستحضرين مواقف جزائرية سابقة اتسمت بعدم الانخراط في بيانات أو تحركات عربية أدانت هجمات إيرانية استهدفت منشآت حيوية أو هددت الملاحة البحرية في المنطقة. ففي وقت اختارت فيه 112 دولة دعم القرار الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية والبحرين، فضّلت الجزائر الوقوف خارج هذا التوافق، في خطوة أعادت إلى الواجهة النقاش حول مواقفها من القضايا المرتبطة بالأمن الإقليمي العربي والتوازنات الجيو-سياسية بمنطقة الخليج، وذلك بالتزامن مع تعاظم المخاوف المرتبطة بسلامة الممرات البحرية الدولية وأمن إمدادات الطاقة العالمية. جدل الموقف الجزائري حمدات لحسن، باحث في العلاقات الدولية، قال إن امتناع الجزائر عن دعم القرار الأممي 2817 المتعلق بحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز يندرج ضمن مقاربة دبلوماسية تعكس موقفا متحفظا تجاه عدد من المبادرات الدولية المرتبطة بأمن الخليج، في سياق تتداخل فيه الاعتبارات السياسية مع حسابات التوازنات الإقليمية.

وأجمل عبد القادر بريهما بالقول إن “التحولات التي تعرفها المنطقة تفرض على الدول العربية مواقف أكثر وضوحا وانسجاما مع متطلبات الأمن الجماعي العربي، بعيدا عن الحسابات الضيقة أو الاصطفافات التي قد تفسر دعما غير مباشر لأجندات إقليمية توسعية”. كما يدعو النص إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي وحماية السفن التجارية والبحارة من التهديدات الأمنية المتنامية التي تشهدها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. تقارب جزائري إيراني في هذا الصدد، يرى عبد القادر بريهما، مهتم بالشأن السياسي والإقليمي، أن امتناع الجزائر عن التصويت على مشروع القرار الأممي الخاص بحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز “لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة الموقع السياسي والدبلوماسي الذي اختارته الجزائر منذ سنوات داخل عدد من الملفات الإقليمية الحساسة، خاصة تلك المرتبطة بأمن الخليج والتوازنات الجيو-سياسية في الشرق الأوسط”. وأضاف بريهما، في تصريح لجريدة الإلكترونية، أن “الموقف الجزائري يعكس استمرار نهج الحذر تجاه أي مبادرات دولية يُنظر إليها باعتبارها موجهة بشكل غير مباشر نحو تطويق النفوذ الإيراني أو الحد من أدواره الإقليمية”، مشيرا إلى أن “الجزائر دأبت في أكثر من محطة على تبني مواقف مغايرة للإجماع العربي، سواء فيما يتعلق بالهجمات التي استهدفت منشآت خليجية أو القضايا المرتبطة بأمن الملاحة والطاقة”. كما نبه بريهما إلى أن “الرهانات المرتبطة بأمن الممرات البحرية أصبحت مرتبطة مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل التوريد الدولية”، معتبرا أن “أي تردد في دعم المبادرات الرامية إلى حماية هذه الممرات يثير بطبيعة الحال تساؤلات سياسية ودبلوماسية داخل الفضاءين العربي والدولي”. وخلص لحسن حمدات إلى أن “استمرار هذا النهج قد يعمّق فجوة الاختلاف في الرؤى داخل الفضاءين العربي والدولي بشأن قضايا الأمن الإقليمي، في وقت تتجه فيه أغلب القوى الدولية نحو دعم مقاربات جماعية تقوم على حماية الممرات الاستراتيجية وضمان استقرار أسواق الطاقة والتجارة العالمية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *