بالعاصمة العلمية للمملكة، فاس، التأم نقاش تربوي بنكهة سياسية، جمع ثلة من المسؤولين الحكوميين والخبراء والفاعلين في حقل التربية والتكوين، بمناسبة الندوة الوطنية المنعقدة في إطار محطات “مسار المستقبل”. “كرامة وهيبة المدرس” في السياق التقييمي ذاته، استعرض النائب البرلماني عبد الودود خربوش، المدير الحالي للوكالة الوطنية لمحاربة الأمية، “المعارك التشريعية الساخنة” التي رافقت التصويت على القانون الإطار المنظم للمنظومة سنة 2019، مؤكداً أن “الدفاع عن التعددية اللغوية والانفتاح كان خياراً استراتيجياً للحزب لتمكين المدرسة العمومية من التنافسية الدولية”. وهذا الخلل البنيوي، حسب الوزير، يغذي ظاهرة الهدر المدرسي، التي تنزف بسببها المنظومة زهاء 330 ألف تلميذ سنوياً.
ودعا التجمعي نفسه، الذي يشغل عضوية المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، إلى “صون المكانة الاعتبارية لرجال التعليم والقطع مع التمثل السلبي لمهنة التدريس”، مؤكداً أن “المعلم هو باني القيم ومحدد ملامح مجتمع الغد”. الندوة، التي حملت عنوان “من التعليم المدرسي إلى التعليم العالي في المغرب: حصيلة السياسات وآفاق المستقبل”، خُصصت جلستها الأولى، الموسومة بـ”التعليم المدرسي: تطور المنظومة والآفاق المستقبلية”، لتشريح دقيق لمسار التعليم المدرسي وتحدياته المقلقة، واستشراف آفاق استدامته. وقد اتسمت مجمل المداخلات، وفق ما تابعته، بالصراحة والجرأة في مكاشفة الأرقام وبسط الاختيارات الاستراتيجية التي تتبناها الدولة لإعادة بناء المدرسة العمومية.
“التعليم الصريح” والنمذجة قدم وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، وعضو المكتب السياسي لـ”RNI”، تشخيصاً صادماً لواقع التحصيل الدراسي بالمملكة قبل مجيء حكومة أخنوش. واستحضر النسبة (الشهيرة) الواردة في تقارير رسمية للمجلس الأعلى للتربية، والمتمثلة في أن 70% من تلاميذ السلك الابتدائي يفتقرون إلى المهارات الأساسية في القراءة والحساب، مما يفسر عجزهم اللاحق عن تملك المواد العلمية باللغة الفرنسية في السلك الإعدادي. وخلصت الجلسة النقاشية ذاتها إلى “صياغة تفاهمات مشتركة” تؤكد أن إصلاح التعليم بالمغرب قد تجاوز مرحلة التخطيط النظري والتشخيص البنيوي، ليدخل فعلياً مرحلة التنزيل الميداني المحكوم بمنطق “الجودة والمحاسبة على أساس النتائج”، مع الإجماع على أن كرامة المدرس، وجودة التعلمات، والعدالة اللغوية والمجالية، هي الركائز الثلاث التي ستضمن عبور المدرسة المغربية إلى آفاق التميز والاستدامة.
