من الورقي إلى الرقمي خصوصية المغاربة في قراءة القرآن الكريم والعناية به متفردة عن باقي الأقطار الإسلامية، فهم لا يتساهلون في الأخذ بغير رواية الإمام عثمان بن سعيد المصري المعروف بورش ( ت 197ه )، والتي عرفت طريقها نحو المغرب إلى جانب موطأ مالك منذ أمد بعيد، مشكلة مصفوفة متكاملة للتدين المغربي. لقد حاولت بعض الاجتهادات أن تنزع صفة المصحف عنه، واعتباره مجرد آلة، تختفي الآيات بمجرد مغادرة التطبيق، أو إغلاق الجهاز، وبالتالي « لا يمكن أن يأخذ أحكام المصحف » ( أحمد بيومي). فالتحصين للرسم القرآني ورقيا، الذي يُعرف به المغرب، قد طال النسخة الرقمية. وهو مشوش كنا في مأمن منه في النسخة الورقية. بالإضافة إلى الميزة التفاعلية التي تمنحها لنا على المستوى اللغوي و المضموني، تساعد على حسن الفهم و التدبر المطلوب، إذا تم تجاهل الإشارات الواردة على الهاتف بين الحين والحين، رغم سحر إشراقها. و بظهور مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف، المحدثة بموجب ظهير شريف سنة 2020، سوف يتم الحسم مع هذه الازدواجية وخصوصا في المساجد. رغم كل هذا، ستعرف مساجدنا في مرحلة زمني سابقة، ومنازلنا أيضا، مصاحف برواية حفص، التي جلبها المغاربة عن أشقائهم المشارقة، انطلاقا من رحلات الحج والعمرة، حيث تهدي السلطات القائمة على تدبير شؤون الحج بإهداء كل حاج و معتمر نسخة منه. كما ساهمت العلاقات الثقافية مع دول عربية وإسلامية، في تأثيث الخزانة المغربية بعدد لا بأس به من هذه الرواية، إلى جانب كتب أخرى، إبان المد السلفي بصبغته المشرقية، الشيء الذي كاد أن يشكل تشويشا على التلاوة المعتمدة. فتجندت ثلة من علماء الأمة شيوخا وشبابا، لاقتناص مساحة للذكر الحكيم في هذا الفضاء السيبراني، وتيسير الولوج إلى واديه لكل مسلم. فالشاشة ما هي إلا مرآة عاكسة صورة، سرعان ما تختفي بمجرد اختفاء المعكوس.
وهي القراءة التي ستعتمد في « تعليمه و تفسيره وقراءة الحزب الراتب في المساجد، وعليها جروا في طبع المصاحف، وتحرير ما فيها من الرسم و الضبط ، … مع إضافات علامات تصحيح الوقف لتيسير التلاوة و تمثيل المعاني». ومواكبة لمستجدات عصرنا، الآسرة لعقول و قلوب الصغار والكبار: الثورة التكنولوجية في مجال المعلوميات. و لا يمكن لشخص أن يجادل في جودة طباعته، وجميل صنعته، تغري ساكنته باحتضان سوره، والعيش في كنف آياته قراءة وتدبرا. وخصوصا لدى الناشئة و ذوي التكوين البعيد عن تخصص العلوم الشرعية. الشيء الذي يهدد السلامة العقدية من باب الشك في صحة ما يتلوه من الذكر الحكيم، عندما يجد القارئ نفسه أمام أكثر من نسخة منه. و هو ما جعل « المصحف المحمدي هو أرقى مصحف طبع بالمملكة المغربية منذ عصور، واعتمد في رسمه وضبطه وعد آياته ووقفه، ما عليه المغاربة قديما وحديثا، واعتمد فيه كذلك الإتقان في الخط والضبط »، كما صرح رئيس الهيئة العلمية لمؤسسة محمد السادس. وهو لا يقل عنه المجهود والكفاءة التي سخرت في حمايته من كل تلاعب واختراق، تسول به نفس القراصنة ممن في قلوبهم مرض. وقد قامت المؤسسة بتزويد جميع المساجد بعدد معتبر من نسخه، وسحب ما عداها من النسخ. لكن بتنزيل تطبيق القرآن المحمدي برعاية رسمية، يكون المغرب قد سجل هدفا في مرمى التحول الرقمي. التي ولا شك ستعيش غربة، كسائر المكتوبات.
فقد خضعت لنفس عمليتي التحري و الضبط، تحت إشراف هيئة مشهود لها بالكفاءة في هذا المجال، يلمسها كل من تفاعل معها. فإليها ستوكل مهمة تسجيل وطبع وتوزيع المصحف، والضامن لاستمراره بكل دقة و أمانة، بالرسم والضبط المعهودين. كما قامت بتوزيع نسخ منه على المواطنين خلال صلاة الجمعة، حتى تضمن دخول هذا المصحف المحمدي إلى كل بيت. والتي لا يليق بالمسلم أن يبقى في منأى عنها، ولا يمكن له ذلك. The post وهو ما تم استخدامه في خدمة كتاب الله العزيز، و « استعملت في تطوير آليات تسجيل الصوت ودقة لفظه وسهولة استرجاعه، فظهر ما يسمى حاليا بالمصحف الإلكتروني ». مع التحفظ الذي أبداه العلامة مصطفى بن حمزة، حيث دعا إلى الحيطة من المصاحف المنشورة رقميا، فالدقة والضبط في رسمه تبقى محط تشكيك، ولا يتناقض هذا في شيء مع تكفل الله بحفظه. مما يبعث الطمأنينة في النفس ونحن نهم بالقراءة رقميا. وهو رأي ينسجم مع تفرقة « أهل العلم في أحكام المصحف بين ما كان أصله الثبوت كورق المصحف، وما ليس كذلك كالكتابة على السبورة واللوح »، أثناء محاولة الفتوى في جواز لمسه من طرف غير المتطهر، فالأجرة ثابت سواء في القراءة الورقية أو الإلكترونية. في زمن كاد الورق والحبر أن يصبحا في خبر كان، حيث غدت الشاشات والصوتيات حوامل معرفية وتواصلية طاغية.
