استقبل أحمد عطاف، وزير الشؤون الخارجية الجزائري، أمس الثلاثاء، كريستوفر لانداو، نائب كاتب الدولة الأمريكي المساعد، في محطة جديدة من جولته الإقليمية التي تشمل الجزائر والمغرب؛ وذلك في إطار الحراك الدبلوماسي الأمريكي المتواصل تجاه قضايا المنطقة، وفي مقدمتها ملف الصحراء المغربية والتطورات الأمنية بمنطقة الساحل. ونبه المحلل السياسي ذاته إلى أن هذا الانفتاح الأمريكي على الجزائر لا يمكن فصله عن السياق الدولي الراهن، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تأمين سلاسل التوريد الطاقية والمعدنية، وتحصين حضورها الاقتصادي في شمال إفريقيا في مواجهة التنافس الدولي المتزايد. وأضاف أن تزامن هذه الزيارة مع جلسات مجلس الأمن المخصصة لقضية الصحراء المغربية يمنحها بعدا سياسيا إضافيا، خصوصا في ظل المساعي الرامية إلى إحياء المسار الأممي والدفع نحو حل سياسي واقعي ودائم لهذا النزاع الإقليمي. كما شملت المحادثات عددا من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك؛ وفي مقدمتها الأوضاع في منطقة الساحل، ومستجدات المسار السياسي المرتبط بنزاع الصحراء المغربية. وجاء لقاء عطاف بعد مباحثات أجراها المسؤول الأمريكي مع محمد عرقاب، وزير الدولة وزير الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة؛ وهو ما يعكس الحضور القوي للبعد الاقتصادي والطاقي في أجندة الزيارة، تكريسا للمحاولات الجزائرية لتقديم قطاع الطاقة كورقة جذب استراتيجية في علاقتها مع واشنطن، وتوظيف ثقلها الطاقي لتعزيز موقعها في علاقاتها مع الولايات المتحدة.
وأوضحت الخارجية الجزائرية أن المباحثات الثنائية تناولت الحركية التي تطبع العلاقات الجزائرية الأمريكية، وآفاق تعزيز الحوار الاستراتيجي وتطوير التعاون في مجالات ذات أولوية؛ من بينها الطاقة والاستثمار والابتكار والتجارة والنقل الجوي والتعليم العالي، قبل أن تتوسع المحادثات لتشمل وفدي البلدين. The post وأوضح بوسعيد، في تصريح لهسبريس، أن مرافقة الجنرال داغفين أندرسون، قائدة القيادة الأمريكية لإفريقيا “أفريكوم”، للمسؤول الأمريكي تؤكد أن الجانب الأمني يحتل موقعا مركزيا في هذه الزيارة، لا سيما ما يرتبط بمكافحة الإرهاب وتعزيز التنسيق الاستخباراتي والعسكري لمواجهة التهديدات العابرة للحدود بمنطقة الساحل الإفريقي. وذكر المهتم بنزاع الصحراء المغربية أن اللقاءات المرتقبة مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وعدد من أعضاء الحكومة، من ضمنهم وزيرا الخارجية والطاقة، تكشف أيضا عن اهتمام أمريكي بتوسيع مجالات الشراكة الاقتصادية، خاصة في قطاعات الطاقة والمحروقات والمعادن الاستراتيجية. وأضاف أقنوش، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن واشنطن تعتمد في المقابل براغماتية صارمة، تقوم على الاستفادة من العقود المنجمية لتأمين حاجياتها المرتبطة بالأمن القومي التكنولوجي، دون تقديم أية تنازلات تمس جوهر تحالفها البنيوي مع المملكة المغربية أو موقفها الواضح من النزاع الإقليمي المفتعل.
في هذا الصدد، قال زكرياء أقنوش، الخبير في الأنثروبولوجيا السياسية، إن الجزائر انتقلت، في تعاطيها مع الولايات المتحدة، من مرحلة الممانعة الدبلوماسية إلى مرحلة “الاستجداء البراغماتي”؛ من خلال محاولة إغراء واشنطن بملف المعادن الحرجة، أي بما يعكس إدراكا ضمنيا بأن الأوراق التقليدية، من قبيل الغاز والموقع الجغرافي والرصيد التاريخي، لم تعد كافية للتأثير في القناعات الأمريكية تجاه مغربية الصحراء. وخلص الشيخ بوسعيد إلى أن التحركات الأمريكية بالمنطقة تروم، في جوهرها، تعزيز الاستقرار الإقليمي والدفع نحو تسوية نهائية للنزاع، عبر تشجيع الجزائر و”البوليساريو” على الانخراط المسؤول في دينامية الحل السياسي تحت مظلة الأمم المتحدة وعلى أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي. وزاد المتحدث عينه شارحا: “واشنطن تتحرك وفق مقاربة براغماتية تجمع بين الأمن والاقتصاد؛ فهي تريد شريكا إقليميا مستقرا يساهم في ضبط المجال الساحلي، وفي الآن نفسه يتيح فرصا استثمارية مهمة للشركات الأمريكية الكبرى”. وأكد المصرح ذاته أن المؤشرات الدولية الحالية تسير في اتجاه تكريس المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها مقترحا جديا وذا مصداقية وقابلا للتطبيق؛ وهو ما تعزز من خلال القرار الأممي رقم 2797 والدعم المتنامي الصادر عن قوى دولية مؤثرة. وتأتي هذه المشاورات في وقت تقود فيه واشنطن اتصالات لإحياء المسار الأممي والدفع نحو جولة جديدة تجمع الأطراف الأربعة؛ المملكة المغربية والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، بما ينسجم مع جهود المبعوث الأممي الرامية إلى إعادة إطلاق العملية السياسية.
