حين يديرُ التّخدير حياتنا متى بدأ الإنسان يطلبُ النّجاة من الألم أكثر مما يطلبُ فهمَه؟ ولذلك يبدو الغدُ أحيانًا أعظمَ اختراع تخْديري في التّاريخ: لا يصلُ أبدًا في صورته الموعودة، لكنه ينجحُ كل مرة في تأجيل صَحْوِكَ. هكذا صار كثير من الناس يفضّلون حياة أقلَّ وجعًا ولو كانت أقلَّ وْعيًا، وأقلَّ صِدامًا ولو كانت أقلَّ حقيقة، وأقلَّ أسئلة ولو كانت أقلَّ إنسانية. التخدير يطلبُ إسكاتَ الإحساس، أما الطمأنينة فتطلبُ ترتيب الفَوضى من دون قتل الِحسِّ. هنا لا يسرقون تعبكَ فقط، وإنما يُديرون شُعورك بالتَّعب، ويمنَعون الغَضب من أن يبلغ نُضجه الكامل. يشتغل هذا الوعد مثل مُخدّر ذَكي: لا يمنحكَ مستقبلًا حقيقيًا، لكنه يمنحكَ ما يكفي من الأمل المؤجل حتى تصبرَ يومًا آخر، وشهرًا آخر، وربَّما عُمرًا آخر. وهكذا تتحوَّل الثقافة، حين تنفصل عن الشّجاعة، إلى نوع مُهذب من التَّخدير الذاتي: نفهمُ العالم ببلاغة، ثم نتركُه على حَاله بكامل الأدَب. وأيُّ نجاة نكسبها حين نحمي أنفسنا من الوَجع، لكننا نخسر قدرتنا على الإحْساس، وعلى الفَهم، وعلى أن نعيش بكامل حُضورنا؟ كيف صار التخدير أسلوبًا في العيش؟ البنج يبيعُكَ سلامًا مؤقتًا بسِعْر وَعْيكَ، بينما تمنحُكَ الطمأنينة قُدرةً أبطأ وأعمق: أن تعرفَ ما يؤلمك، وأن تعرف لماذا يُؤلمك، وأن تظل رغم ذلك قادرًا على الحياة من غير إنكار ولا ادعاء بُطولة مُزيّفة. ومتى نملك شجاعة التَّفريق بين سَكينة تنضج في الضّوء، وراحة زائفة تنمُو في العَتمة؟ لا أحد يريد خراب “الجَوّ”، ولذلك يفضّل الجميع أن يختبئ الجرح تحت المفرش بدل أن يصعد إلى الكلام. يا للمُفارقة؛ لقد اخترع الإنسان البنج رحمةً بالجسد، ثم وسّع منطقه حتى سلّمه مفاتيح الوعي. لا يحتاج هذا النوع من التخدير إلى قَمْع دائم؛ يكفيه أن يُنظّم مَشاعرك، وأن يمنحكَ جُرعة محسوبة من الانتماء، وجُرعة أخرى من الخوف، ثم يطلبُ منكَ أن تكتفيَ بالشُّعور بأنكَ شاركتَ. فهل نريد فعلًا أن نشفى، أم نريد فقط أن نؤجل الانهيار بطريقة أنيقة؟ حياةٌ تحت تأثير جُرعات غير مرئية ثم تأتي المدرسة فتمنح هذا التخدير شرعية مُبكرة. ولماذا نهاب الوجع إلى هذا الحد، ثم نقبل بكل ما يعطّل وعينا باسمه؟ وكيف صار كثير من الناس يفضّلون سلامة الإحساس السطحي على صدمة الحقيقة العارية؟ التخدير يريحكَ بسرعة ثم يتركُ العطب في مكانه، أما الطمأنينة فتمشي بكَ نحو الجُرح كي تنظفه، وتفهم سببه، وتعيد بناء علاقتك بنفسك وبالعالم على أساس أكثر صدقًا.
تروي لكَ المدرسةُ التاريخ كما لو أنه صفحة أُغلقت، لا ندبة ما تزال تتحرك في الحاضر، وتدفعكَ إلى الحفظ السريع بدل الفهم العميق، وإلى الإجابة النموذجية بدل المغامرة الفكرية. تعملُ كثيرًا، تلهثُ طويلًا، تحسبُ كل شيء، ثم تكتشفَ أنّ ما تَكْسبُه لا يكفي إلا لكي تُواصلَ اللّهاث. ولذلك يسهل علينا أن نخلط بين الصّبر والتخدير، وبين التّعقّل والتّبلّد، وبين الحُلم المشروع والتَّسْويف المهني في إدارة الخسارة. نقرأ كثيرًا، نعم، لكننا نقرأ أحيانًا كما لو أن القراءة نفسها غاية نهائية، لا بوابةً إلى تغيير في النّظر والفعل. حين يسكن البنج في الوعي لا في الجسد البنج ليس مجرد وخزة يوقف بها الطبيب الألم في غرفة العمليات، إنه منطق كامل ينساب في تفاصيل الحياة حتى يكاد يشكّل طريقتنا في النظر والتحمّل والتبرير. كثيرون لا يطلبون الطمأنينة فعلًا، بل يطلبون نسخة مخففة من الغياب. أمّا الثقافة، فتدفع التّخدير إلى مستوى أكثر أناقة. نحترفُ التّحليل حتى نخنق القرار، ونُوسّع الشّرح حتى نُؤجل الموقف، ونَستعمل الكلمات الكَبيرة كي نغطي فَراغًا عميقًا في الإرادة. لا تدرِّبكَ على السؤال بقدر ما تدربك على الطاعة، ولا تعطيك المعرفة بوصفها قلقًا خصبًا بقدر ما تقدمها بوصفها مواد محفوظة ومواعيد امتحان وعلامات نهائية. هكذا تَخِفُّ حرارة الفضول قليلًا، حتى يخرج الطالب من التعليم وقد أتقنَ الانضباط أكثر مما أتقنَ التّفكير، وصار “مواطنًا صالحًا” بالمعنى المريح للمُؤسسات: لا يُزعج كثيرًا، لا يَسأل كثيرًا، ولا يَفتح نافذة في جدار اعتاد الجميع النظر إليه على أنه قَدَرٌ. هنا لا تظهر الجُرعة في هيئة حُقنة، وإنما في هيئة مُصطلحات لامعة، ونَدوات ممتدة، ونقاشات تُتقن الدَّوران أكثر مما تُتقن الوُصول. لكن السوق لا يتركُكَ تواجه هذه الحقيقة عارية؛ إنه يغلّفها بالأقساط، ويعطِّرها بالعُروض، ويزيّنها بِوَعد متكرر اسمه “قريبًا ستتحسَّن الأمور”. في المستشفى، يعدك الطبيب بألّا تشعر بشيء، فيؤدي البنج وظيفة رحيمة وواضحة: يخفف الألم لكي يفتح باب العلاج. وكيف تحوّلت الراحة من لحظة عابرة إلى عقيدة يومية؟ وفي السياسة، يرتدي البَنج بدلته الرّسمية ويتكلمُ بلغة وطنية مُنمَّقة. ثم أيُّ حياة هذه التي نعيشها ونحن نرفض الجرح، ونؤجل السؤال، ونستبدل المواجهة بجرعة صامتة من التحمّل؟ يسكب الجميع الشاي، ويتبادلون أخبار اليوم، ثم يمرّون فوق التعب كما يمرّ الناس فوق حفرة صغيرة في طريق مألوف. في البيت، يبدأ التخدير مبكرًا وبأدوات تبدو بريئة. لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.
في هذه الحالة، نحن لا نرفض الألم فقط، نرفض أيضًا ما يكشفه الألم عنّا: هشاشتَنا، وتقصيرَنا، وعلاقاتنا المُختلة، وأنظمتنا التي تُربّي الصمت، وخَوفنا القديم من أيّ صدع يمسّ الصورة التي نعرضُها على العالم. وهذه ليست هزيمةً صغيرةً؛ إنها إعادةُ تعريفٍ للعيْش، حيث يربحُ المرءُ هُدوءً عاجلًا، ويخسرُ حقَّ نفسِه في اليَقظة. على أن الطمأنينة الحقيقية تولد من القدرة على النظر إلى الوَجع من غير انهيار، ومن تسمية الأشياء بأسمائها من غير تزويق ولا تهْويل. يجلس الجميع حول مائدة واحدة، لكن كل واحد يحمل في داخله غرفة عمليات صغيرة، ويضبط جرعة التخدير بما يكفي ليُكمل السَّهرة من غير أن يفضح ما يعتمل في صْدره. ثم ما قيمة حياة لا تؤلم كثيرًا، إذا كانت في المقابل لا توقِظنا كثيرًا؟ وفي الشارع، يأخذ التخدير شكلًا اقتصاديًا مباشرًا. وهل نطلب الطمأنينة لأنها ثمرة فهم ومصالحة، أم لأننا تعبنا من حمل الأسئلة؟ هنا يدخل البنج إلى الوعي لا إلى العصب، ليدرّبك على التعايش مع الألم من غير احْتجاج، ويقنعكَ أن التماسك أهم من الصدق، وأن الصمت أرقى من الاعتراف، وأن استمرارك في الدور أهم من سلامتكَ الداخلية. كان الغرض الأول أن يخَفِّف الألم كي ينجحَ العلاج، لكننا نقَلنا الفكرة إلى الحياة بطريقة مَعكوسة: لم نعُد نبحثُ عن علاج الجُرح، وإنما أصبحنا نبحثُ عن وسيلة تمنعُنا من الشعور به. يرى الأب الخلل ثم يختار السّكوت، وتبتلع الأم إرهاقها كي لا تهتز صورة البيت، ويتعلّم الأبناء باكرًا أن الألم المعلن يربك المشهد العائلي أكثر مما يصلحه. تعدكَ الخطاباتُ بأنّكَ مركز المعادلة، وتربّتُ على كتفكَ بعبارات المشاركة والمسؤولية والمصير المشْترك، ثم تعيدُ لكَ الوجوهَ نفسها، والجُمل نفسها، والنّتائج نفسها، كأن الزّمن يدورُ في مَمرٍّ ضيّق لا يُفضي إلى شيء. ومن هنا تدخل الطمأنينة إلى المشهد بوصفها أكثر المفاهيم تعرضًا لسوء الفهم. فلسفة الوخزة الناعمة غير أن أخطر ما في هذا البنج الوُجودي أنه لا يقدّم نفسه بوصفه عدُوًا. هكذا لا يُقتل الغضب دفعة واحدة، وإنما يتمُّ وضعهُ في غرفة انتظار طويلة، حينَ يحوّلُ المواطنَ من فاعل إلى متلقٍّ مُهذّب يُصفقُ أحيانًا، ويتذمَّر أحيانًا، لكنّه نادرًا ما يمسكُ بجِذْر المَسألة. أمّا في الحياة، فالأمر يختلف جذريًا؛ إذ يتركك الواقع تشعر بكل شيء، ثم يطالبك بأن تضبط ملامحك، وتُحسن ترتيب نبرتك، وتواصل يومك كأن شيئًا لم يحدث. يريدُون سكينة لا توقظ الأسئلة، وراحة لا تفرضُ مراجعة، وهدوءً لا يكلّفهم شجاعةَ المواجهة. هكذا لا يصنع البيت دائمًا دفئًا خالصًا؛ أحيانًا يصنع مهارة جماعية في تأجيل الانْفجار. لهذا لا ينبغي أن نخلط بين الطمأنينة والتخدير. إنه يأتيك غالبًا في صورة حِكْمة يومية، أو نضج، أو “مراعاة للظروف”، أو رغبة في حفظ التّوازن.
