بيّنت دراسة علمية حديثة النشر أن “التمثل الإيجابي” للمهاجر الإفريقي المنحدر من جنوب الصحراء في المغرب “يتولد عن ميكانيزم أساسي، وهو الاستفادة من ‘مصلحة أو منفعة’ ما من وجوده، أو على الأقل عدم تلقي نوع من الضرر، أو الألم بلغة بنثام، ممن يحضر في بلدهم”. وأوضح العمل البحثي أنه ما إن يحصل لهؤلاء (المغاربة) “انطباع بأن حضور المهاجرين يخلف ألما أو ضررًا أو خسارة من نوع ما على بلدهم أو وضعهم الاقتصادي والاجتماعي والأمني تتكون لديهم حساسية سلبية تجاه هؤلاء، وهو ما يدفعهم إلى تمثل الآخر الإفريقي الوافد من جنوب الصحراء في صور المخرب وغير المفيد”، وتابع: “وجههم هذا الأمر مباشرةً صوب اتخاذ مواقف الوصم والاستبعاد والعنصرية ضد هذا الآخر”. واتضح للباحثين أيضاً أن “الدين لا يتدخل في مثل السياقات التي درسنا إلا لكي يبرر اتجاهات هذه التمثلات والمواقف تجاه الآخر الإفريقي، سواء أمالت إلى التقبل والتعايش أم إلى الصدام والاستبعاد والتمييز”. وأكد المصدر نفسه أن “هذه الخلاصة تكمل بعض استنتاجات الدراسات السابقة وتدققها، إذ تكشف أن الاختلاف في الدين ولون البشرة عاملان مهمان في أي محاولة لفهم ما يتولد عن الهجرة من ظواهر اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية”.
وركزت الدراسة على “ما يتعلق منها بالتمثلات البانية للغيرية في علاقتها بالإنتاجات الدينية وتحقيق المصلحة والنفعية”؛ لكن مع اعتبار أهمية العوامل المشار إليها وقفت على أن “میكانزما دقيقا يولد أكثر غيرية المغاربة السوداء كما تتجسد تجاه المهاجرين الأفارقة الوافدين من جنوب الصحراء، يتمثل في التوافقات والاختلافات المصلحية والمنفعية، وهو الميكانيزم الذي وضعناه مقابل ميكانيزم ثان، دقيق هو الآخر، يتمثل في التوافقات والاختلافات الدينية”. وأنجز الدارسة عزيز مشواط، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء بصفته مؤلفاً مسؤولاً، ومهدي جعفر، باحث دكتوراه في علم الاجتماع والأنتروبولوجيا بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس. الدراسة الصادرة تحت عنوان “الوعي بالغيرية بين الدين والنفعية.. وأورد الباحثان: “تبين لنا أن ترجيح اشتغال ميكانیزم علی آخر يرتبط أساسا بالسياق والوضعيات التفاعلية والتوجه نحو تحقيق الغايات، أكثر مما يرتبط بالقناعات الدينية أو الاعتبارات الأخلاقية والرمزية”، واستدركا بأن “نتائج بحثنا لا تفيد بخلو الغيرية المغربية السوداء تجاه المهاجرين الجنوب صحراويين إلى المغرب خلوا تاما من أثر تلك القناعات والاعتبارات، مثلما تبينه السياسات العمومية التي تتبعها السلطات المغربية الرسمية لتحقيق ما تحددها على أنها ‘مصالح’ المغرب السياسية (جلب مواقف مناصرة لموقفه من قضية الصحراء)، والدينية (تعزيز الروابط الدينية والطرقية – الصوفية بين المغاربة ومنتسبي التيجانية والبودشيشية غير المغاربة من بلدان غرب إفريقيا)، والدبلوماسية (مع أوروبا من خلال تعزيز أدوار الكنيسة الكاثوليكية التي ينتسب إليها المهاجرون الأفارقة الجنوب صحراويين المسيحيون)”.
وانتقت الدراسة نفسها في هذا الإطار 14 من أصل 50 مقابلة شبه موجهة مع مواطنين مغاربة، يستقرون في مدن مختلفة، وكان من معايير الانتقاء “توافق مضمونها مع إشكالية البحث التي لا تركز على الهجرة، بل تتخذ من الوضع الهجروي للمهاجرين الأفارقة الجنوب صحراويين في المغرب إطارا لدراسة قضايا هي من صميم سوسيولوجيا الأديان”، مع ضمان تنوع في الأعمار والأجناس ومهن ومؤهلات المشاركين. تمثلات المغاربة للمهاجرين الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء الأفريقية”، بأحدث عدد من دورية “عمران للعلوم الاجتماعية” من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، اعتمدت على جزء من معطيات بحث ميداني سابق، أنجزه معداه ضمن فريق باحثي مركز منصات للأبحاث والدراسات الاجتماعية بتعاون مع “شبكة مدار”.
