أكد عبد الله بوصوف، الباحث الأكاديمي والأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، أن “إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي” استمدّ ثقله من السياق الزمني الذي صدر فيه، موضحاً أنه “انبثق في مرحلة طبعتها تشنجات حادة شهدها العالمان العربي والإسلامي، بل والمجتمع الدولي، جراء تصاعد الصدامات والتطرف والإرهاب، وهي الموجة التي انطلقت شرارتها منذ أحداث 11 سبتمبر بالولايات المتحدة”. وهكذا جاء إعلان مراكش، وفق الأكاديمي، “ليزيح اللثام عن اجتهاد جماعي، وهذه خاصيته الأساسية”، مسجلاً أنه يحمل هذه الصفة على نحو معنوي، “فقد وقّعه أكثر من 300 عالم يمثلون أكبر المؤسسات الإسلامية، كالأزهر ورابطة العالم الإسلامي، فضلاً عن كونه صدر تحت الرعاية السامية لزعيم ديني هو أمير المؤمنين الملك محمد السادس”، وزاد: “هو ليس أميراً للمؤمنين في المغرب فقط، بل له امتداد رمزي لدى كل من ينضوي تحت النموذج المغربي، الذي يتسم بالتسامح والوسطية والاعتدال والاعتراف بالآخر”. وفي الندوة التي ناقشت موضوع “إعلان مراكش التاريخي: آفاق العيش المشترك في عالم متغير”، شدد الأكاديمي المغربي على أن الإعلان “جاء في مناخ سادته خطابات الكراهية، ووُضعت فيه العقيدة الإسلامية تحت مجهر التساؤل”، مبرزاً أن السؤال الجوهري الذي كان يُطرح عقب كل فاجعة إرهابية هو: “ما موقف المسلمين والإسلام مما جرى؟”.
إن الرعاية الملكية لهذا الإعلان، وفق بوصوف الذي يعد مؤرخاً أيضاً، “أضفت عليه صبغة خاصة، وأعطته قوة وقيمة؛ لأنه لم يصدر عن هيئة محدودة أو عالم بعينه، بل عن 300 عالم يمثلون المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي، وتحت رعاية قيادة دينية رمزية”. واحتضنت مراكش، يضيف بوصوف، كبار العلماء مثل القاضي عياض، وابن رشد، وابن عربي، وابن طفيل الذي كان الخليفة الموحدي يتحاور معه في الفلسفة، كما احتضنت الطائفة اليهودية التي اشتغلت بالتجارة وكانت قريبة من السلطة، بالإضافة إلى الدور المهم للمرأة، مثل زينب النفزاوية، مستشارة يوسف بن تاشفين مؤسس المدينة. وأشار بوصوف، خلال محاضرة ألقاها ضمن البرمجة الرسمية لمنتدى أبوظبي للسلام بالمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، إلى تمدد تنظيمات كـ”القاعدة” و”داعش” في العراق وسوريا، وصولاً إلى الاعتداءات الإرهابية التي ضربت فرنسا وإسبانيا وبلجيكا والمغرب ومصر، فضلاً عن دول إفريقية عدة عانت من جماعات متطرفة كـ”بوكو حرام” في نيجيريا ومالي.
وخلص الكاتب إلى أن “مدينة النخيل”، بهذا المعنى، هي “من المدن القليلة في العالم الإسلامي التي جمعت بين روح العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني”، مردفا بأنه مر بها ابن عربي وعاش فيها، وهو من الشخصيات الدينية التي حظيت بقبول واسع عبر التاريخ لدى المسلمين سنة وشيعة، ولدى غير المسلمين أيضاً، لتكون المدينة بهذا التاريخ والتنوع مؤهلة لتكون منطلقاً لإعلان يحمل رسالة التعايش والاعتراف بالآخر في عالم مضطرب. وأشار الأكاديمي إلى أن “الخليفة المرتضى هو الذي ارتقى بكنيسة مراكش إلى أسقفية، بعد أن كانت مجرد كنيسة في عهد المرابطين، ما يدل على وجود فترات من الانفتاح، خاصة تجاه المسيحية”، مستحضراً كذلك عهد المرابطين، حين كان المسيحيون يشاركون في الجيش، ومبرزاً أن ابن عذاري المراكشي يذكر أن جيش علي بن يوسف كان يضم حوالي 4 آلاف مسيحي، وكان يُسمح لهم بأداء صلاة الاستسقاء إلى جانب المسلمين. واعتبر الأمين العام لمجلس الجالية أن “هذا ما يضفي قيمة مضافة للإعلان، إذ صدر تحت رعاية زعامة دينية ذات بعد عالمي”، وزاد: “ولا يخفى استقبال جلالة الملك للبابا في مدينة الرباط، وتوقيع (وثيقة القدس) باعتبارها عاصمة لكل الأديان والثقافات، كما سبقه في ذلك الملك الحسن الثاني الذي استقبل البابا أيضاً في ملعب لكرة القدم بحضور عشرات الآلاف من الشباب”.
