انتشرت، خلال الأيام القليلة الماضية، مشاهد “صادمة” توثق حالات متكررة من الاعتداء على السائقين أثناء مزاولتهم لمهامهم؛ ما خلّف موجة واسعة من القلق والاستنكار في أوساط المهنيين والمتابعين على حد سواء. وذهب الوردي إلى التأكيد على أن الحماية الفعلية للسائقين المهنيين لا تقتصر على الجانب القانوني أو الزجري فقط؛ بل تتطلب أيضا الاستثمار في التكوين، عبر تأهيل السائقين وتعزيز قدراتهم على التعامل مع حالات الخطر، وتلقينهم أساليب الوقاية والحذر أثناء مزاولة مهنتهم. واعتبر الوردي إحداث نص قانوني خاص يستهدف فئة السائقين المهنيين وحدهم توجه قد يطرح إشكال المساواة أمام القانون، وقد يُفضي إلى نوع من التمييز بين فئات مهنية مختلفة. وقد فتح هذا الوضع المتكرر الباب أمام نقاش أعمق حول حماية قانونية خاصة لهذه الفئة أثناء أداء عملها، كما أعاد بقوة إلى الواجهة سؤال الأمن داخل هذا القطاع الذي يظل مرتبطا بشكل مباشر بسلامة الأشخاص وحركة النقل اليومي. كما شدد المتحدث على أهمية إحداث آليات تواصل سريعة وفعالة، من خلال تخصيص خطوط هاتفية مباشرة للتبليغ عن الحوادث أو طلب النجدة، بما يضمن تدخلا أمنيا أكثر سرعة ونجاعة عند وقوع الأخطار أو الاشتباه في تهديدات محتملة. كما ربط الأمين العام للنقابة الديمقراطية للنقل بين تصاعد بعض مظاهر التوتر داخل قطاع النقل وبين الظروف الاجتماعية والمهنية التي يعيشها السائقون.
وفي هذا الصدد، أشار فرابي إلى أن الاحتقان المسجل في بعض الحالات، بما فيها تلك التي يكون الأصل فيها خلافات بين المهنيين أنفسهم، يجد جزءا مهما من أسبابه في الضغوط المتزايدة المرتبطة بارتفاع تكاليف المحروقات وتراجع المداخيل؛ وهو ما ينعكس سلبا على الاستقرار المهني والنفسي لهذه الفئة. كما دعا المسؤول النقابي إلى إحداث منظومة مركزية للمراقبة تتكفل بتتبع حركة النقل العمومي بشكل مباشر، معتبرا أن إنشاء مركز للجهات الأمنية لمتابعة تحركات العربات ومواقعها ليس إجراء معقدا؛ بل خيارا تنظيميا قابلا للتنفيذ من شأنه تعزيز سرعة التدخل عند وقوع أي تهديد أو طارئ. الحماية التكنولوجية شدد سمير فرابي، الأمين العام للنقابة الديمقراطية للنقل، على أن التطور التكنولوجي اليوم يجعل من غير المقبول استمرار غياب منظومات الحماية داخل عربات النقل العمومي للأشخاص، سواء تعلق الأمر بالحافلات أو سيارات الأجرة أو شاحنات نقل البضائع (…)، معتبرا أن تعميم تجهيز هذه الوسائل بالكاميرات لم يعد خيارا تقنيا معقدا؛ بل أضحى إجراء بسيطا وعمليا من شأنه تعزيز الأمن والحد من مظاهر العنف التي باتت تتكرر داخل الفضاء الطرقي. وأوضح فرابي أن إدماج أنظمة المراقبة بالكاميرات داخل وسائل النقل يمكن أن يشكل آلية فعالة للردع من جهة، ويساهم في توثيق الحوادث وتسهيل تدخل السلطات الأمنية من جهة أخرى؛ مما يرفع من مستوى الحماية سواء بالنسبة للسائقين أو الزبناء، الذين يظلون بدورهم عرضة لمختلف المخاطر أثناء التنقل. وفي السياق ذاته، توقف المتحدث عند خصوصية نقل البضائع لحساب الغير، لا سيما المواد الحساسة مثل المحروقات والغاز، مبرزا أن السائقين في هذا الصنف من النقل يتحملون مسؤولية كبيرة مرتبطة بسلامة مواد قد تشكل خطرا مضاعفا في حال تعرضهم للاعتداء أو استهداف الشحنات التي ينقلونها؛ وهو ما يستدعي، بحسبه، تعزيز إجراءات الحماية والمراقبة بشكل أكبر. آليات المراقبة من وجهة نظر قانونية، أكد عباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الإطار القانوني المغربي، وفي مقدمته القانون الجنائي، يظل واضحا في تجريم مختلف أشكال الاعتداء على الغير، حيث ترتب هذه الأفعال عقوبات سالبة للحرية تصل إلى سنوات سجنية كافية، فضلا عن التعويض وجبر الضرر لفائدة الضحايا.
وذهب بعض المتتبعين إلى أن الإطار القانوني الحالي، رغم تجريمه العام لمختلف أشكال العنف والاعتداء، قد لا يعكس خصوصية المخاطر التي يواجهها السائقون باعتبارهم فاعلين يوميين في فضاء عمومي مفتوح، حيث يمكن أن يتحول أي اعتداء عليهم إلى تهديد مباشر لسلامة الركاب وحركة السير. وفي السياق ذاته، لفت الأستاذ الجامعي عينه إلى ضرورة حضور عناصر السلامة الطرقية، لا سيما على مستوى الطرق السيارة، عبر فرق متخصصة في المراقبة والتدخل، بما يسهم في رفع اليقظة الأمنية والتوجيه، وإنشاء وسائل المراقبة التقنية وتزويد المركبات بأنظمة تصوير تسهم في توثيق الوقائع وردع الاعتداءات. في المقابل، سجل الخبير القانوني أن المقاربة الأكثر نجاعة لا تكمن في خلق تمايز تشريعي بقدر ما تتمثل في تطوير منظومة متكاملة لحماية مهنيي النقل، تقوم على إجراءات وقائية واستباقية؛ من بينها تعميم أنظمة المراقبة بالكاميرات داخل المحاور الطرقية، وتحديث وسائل الإنذار داخل المركبات، بما يتيح رصد المخاطر في وقت مبكر. كما امتدت لتطرح تساؤلات عند البعض حول ما إذا كانت هذه الوقائع مجرد أحداث معزولة أم أنها تعكس نمطا أكثر خطورة وتنظيما. فمن حادثة سائق شاحنة القنيطرة إلى واقعة الاعتداء على سائق سيارة الأجرة بالدار البيضاء التي انتهت بمفارقته الحياة، وصولا إلى المشاهد الأخيرة التي وثقت رشق سائق شاحنة بالحجارة بالعوامرة، أثارت هذه المشاهد مخاوف متزايدة في صفوف المهنيين الذين باتوا يشعرون بأنهم يزاولون عملهم في ظل تهديد دائم وغياب ضمانات كافية للحماية.
