هيبة الدولة وحرية التعبد

تضاربت الآراء والأفكار وردود الأفعال والمذهبيات والقناعات بإزاء ما انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم من فديوات ومقالات بشأن ممارسة طقوس تعبدية في باب دكالة بمراكش الحمراء لجماعة من اليهود يظهر أنهم ليسوا مغاربة، أرى أنه من الطبيعي أن يستغرب مغاربة هذا الخروج بباب دكالة، لأنهم لم يألفوه من إخوتنا المواطنين اليهود المغاربة في تعايشنا معهم منذ القديم. ومن جهةٍ أخرى فالرسول الكريم هو مبعوث رحمة للعالمين بإطلاق، ومن رحمة الله أن أطلق الله جل في علاه قيد التعبد في دور العبادة فقط، لتصير جميع الأرض مسجدا وطهورا للنبي الخاتم وأمته، ومعلوم تعميم الخير والرحمة -التي يكون الرسول الخاتم سببا فيها- على الجميع ولو في الدنيا فقط؛ فالله الرحمن الرحيم يحب جميع خلقه كما في قوله: (يُحِبُّهُم ويُحِبّونَه) مُفرِدا بالسبق فعل “يُحِبّهم” على “يُحِبّونَه”، وقد اعتمده متصوفة العشق الإلهي في النظر في الخلق بعين الوجود والرحمة لا بعين الحُكم؛ فحرف الواو مما يفيده الترتيب. ولهذا بمنهج الاحتياط احتمالان: احتمال أنهم صادقون في قناعتهم السياسية المنبثقة من معتقدهم الديني، وهذا لا يعنينا في قضية طلبهم ترخيص دولتنا لهم القانوني، واحتمال أنها كلمة حق يراد بها الانسلال والتغلغل لخدمة أجندة ما… فطبيعة المغرِض أنه يتمظهر بصفة صديق وحقيقته أنه وكيل مكلف بمهمة ما؛ وقضايا من هذا القبيل موجودة في محاكمنا المغربية بحمد الله. على أنه بضرب من التأمل العميق في هذه الخصوصية يتبيّن لنا: مِن جهةٍ أن الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم أخبرنا بمزايا من مزاياه التي خَصَّه الله تعالى وأمّتَه بها، في إطار نضج “الوعي/الضمير الجمعي” عبر نَسخِ الشرائع اللاحقة للسابقة، لا أن نوظفها للتنقيص أو النيل من باقي الديانات/التشريعات الأخرى.

إذا تأكد ضبط الدولة لمواطنيها الذين هم الأغلبية، فما بالنا بمن هم أقلية، بل بمن هم أجانب سياح عابرون فقط، هنا يتأكد أكثر ضبط الدولة ويقظتها من جهتين: جِهَة الحيطة والحذر للتأكد من أن ممارسة ما في الشارع العام غير مغرِضة ولا مبيِّتة لشر أو فتنة، وجِهَة حفظ الأمن العام وسلامة مرتاد الشارع العام وصونه من أي اعتداء لممارسة ما رُخِّصَ له فيه. -أستاذ التعليم العالي جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس إن هيبة الدولة الممثَّلة في تسطير الواجبات وحفظ الحقوق سواءً بسواء هي الأهل لضمان الاستقرار واستتباب الأمن. وعليه سواء أقلنا بالتأويلات والتعليلات لصنيع تَعَبُّدِ غيرنا، أم ثبت لدينا أن صاحب دين/تشريع ما غيّر أو أضاف لتديّنه شيئا ما؛ فلا شأن لنا بهذا اللهم في إطار الاهتمام المعرفي التواصلي؛ إذ ليس لنا نحن المسلمين إلا أن نَحترمه ولا نُكرهه على معتقد أو تشريع ما.

هذا إن استثنينا استصحاب الشعوب لمختلف أنواع الصراع والحروب والتعدي بأراضي فلسطين المحتلة على رغم تنظيم صلوات حائط المبكى المستمرة؛ فيصبح في ذاكرة الشعوب تَذَكُّر الاعتداءات بمجرد رؤية ممارسة صلوات جنب أي حائط، يكون هذا مدعاة لإثارة الفتنة مجتمعيا. لا أرى ضرورة ماسة لمناقشة هل تشتمل الديانة اليهودية على نصوص تجيز إقامة الصلوات خارج البِيَع ودور العبادة، ولا مناقشة تعليل إقامة صلواتهم بالداخل بالهاجس الأمني؛ فمتى ما توافر الأمن تقام صلواتهم أينما حلوا وارتحلوا ولو خارج دور العبادة، ومتى ما انعدم الأمن تقام صلواتهم داخل دور العبادة… ولستُ في حاجة لأن أناقش مقارنة الدين/التشريع الإسلامي بدين/تشريع آخر باعتبار الحديث النبوي المخرَّج في كتب السنن: “جُعِلت الأرضُ كلها لي ولأمّتي مسجدا وطهورا…” وهذا المعنى مصدَّر بقول النبي في رواية أخرى: “أُعطيتُ خمسا لم يُعطَهنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي…” وذكر الحديث، مما يقوم دليلا على خصوصية هذه الأمة الخاتمة للأمم في هذا الشأن. ولست في حاجة لمناقشة التعليلات السياسية بأن ممارسي عبادة حائط باب دكالة على رغم أنهم يهود فهم معارضون لإنشاء دولة صهيونية؛ انطلاقا من عقيدتهم الدينية أن الله تعالى حَكَم على اليهود بالشتات/التِّيه في الأرض إلى يوم القيامة، ليعيشوا في كنف دول وشعوب العالم، وإقامتُهم لدولة هو ظلم وتعدٍّ ومخالفة للرّبّ جل في علاه. ما يُهِمّني ويثير انتباهي هو التعليل المدني للأحكام الدينية المتوافَق عليه دنيويا، لا التعليل الشرعي المنصوص عليه دينيا: فالدولة مثلا لا تطلق الحبل على الغارب حتى يبني مواطنونها المسلمون -وهم الأغلبية في البلد- ما شاءوا من مساجد وجوامع دون إذن ولا ترخيص، فتَدَخُّلُ الدولة المدني ضبطا وحفظا مراعاة لحق التديّن ضرورة من ضرورات الحياة، وإلا لعمّت الفوضى وانعدم التوازن وضاعت حتى حقوق الأمن الروحي للمغاربة ولغيرهم على السواء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *