تفاصيل جديدة حول في رحيل نبيل لحلو

نبيل لحلو .. ينسجم هذا التوجه مع ما طرحه أنطونان أرتو، حين أكد أن “المسرح يجب أن يكون صدمة توقظ الفكر” (Artaud, Le Théâtre et son double, 1938). في هذا السياق يندرج قول والتر بنيامين: “يحمل العمل الفني أثر زمنه” (Benjamin, 1936). ينسجم موقف نبيل لحلو هذا مع تحليل ميشيل فوكو، الذي يؤكد أن “حيثما توجد سلطة هناك توجد مقاومة” (Foucault, Histoire de la sexualité, 1976)، وهو ما جعل لحلو يحول المسرح إلى فضاء نقدي، بل دفعه إلى جعل الفن أداة مساءلة. يضع رحيل نبيل لحلو، بإلحاح، سؤال الفن في قلب الوجود، بل يدفع إلى مساءلة علاقة الإبداع بالحرية والالتزام. يتجلى ذلك في مسرحية “محاكمة سقراط” (عمل مسرحي متأخر يستلهم الفلسفة اليونانية)، حيث يعيد طرح سؤال الحقيقة مستنداً إلى قول سقراط: “الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تعاش” (Plato, Apology)، ولكنه يعيد صياغته داخل سياق معاصر. يعالج في جل أعماله موضوعات الإنسان والمجتمع، ويمنحها بعداً وجودياً في انسجام مع ما ذهب إليه إريك فروم، حين أكد أن “الحب فعل يمنح الوجود معنى” (Fromm, The Art of Loving, 1956). رفض لحلو، بعناد، الامتثال، وأصر على استقلالية الرؤية الفنية التي كلفته الكثير. ساهم المرحوم نبيل لحلو في تشكيل ملامح المسرح المغربي الحديث، بل ورسخ حضوره داخل الفضاء الثقافي العربي والدولي (مشاركة أعماله في مهرجانات وعروض خارج المغرب)، ولعله أثر في أجيال من الفنانين، ولم يبق مجرد حالة فردية.

لترتاح روحك، نبيل لحلو، في سلم وسلام العالم الآخر. أسس فقيد المسرح والسينما المغربية التجريب كمنهج، رافضاً، في نفس الوقت، الاستقرار داخل شكل فني واحد. ويجيب مسارك بالفعل وليس بالقول، وأثبت أن الفن، حين يقترن بالحرية، يصبح قوة تغيير رمزية. استحضر لحلو الفلسفة داخل أعماله، ولكنه لم يقدمها بشكل مباشر، بل حولها إلى تجربة حسية. يلتقي توجه نبيل لحلو مع طرح جيل دولوز، الذي يرى أن “الصورة السينمائية تفكر بطريقتها الخاصة” (Deleuze, Cinéma 1, 1983). هكذا أعاد نبيل لحلو تفكيك البنية التقليدية للعرض، حيث جعل المسرح مجالاً للفكر الحي. هكذا أنجز نبيل لحلو أفلاماً تنتمي إلى صنف سينما المؤلف، وجعل من الصورة أداة تفكير. حين يصير المسرح قدراً يعلن رحيل المخرج المغربي نبيل لحلو عن نهاية مسار جسدي، ولكنه يفتح أفقاً عريضاً لتحليل نقدي مفيد لتجربة فنية وفكرية ممتدة داخل المسرح والسينما المغربية المعاصرة، بتميز مثير. انتقل لحلو، وهو في قمة عطائه المسرحي، إلى السينما، دون القطع مع المسرح، بل عمل لحلو على نقل لغته إليها.

فقد ألهمنا رحيلك ومسارك أسئلةٍ طرحت المفتوح منها هكذا: هل يستطيع الفن تغيير الواقع؟ اختار لحلو، منذ بداياته، ممارسة الإخراج بوصفه موقفاً واعياً، عنيداً، ومثقالاً بالثقة الذاتية، عوض الاكتفاء بإعادة إنتاج القوالب الجاهزة، كما أسس مساره عبر تكوين أكاديمي وتجربة بين المغرب وفرنسا (تكوين مسرحي بفرنسا ضمن سياق المسرح الحديث). اشتغل لحلو على الجسد والصوت والفضاء، بدل اختزال العرض في النص أساساً فقط. وقد فتح لحلو، بذلك، أفقاً تأويلياً يجعل المتلقي شريكاً في المعنى. واجه لحلو الرقابة بشكل متعدد ولمدة طويلة في ميدان السينما، ولكنه لم ينكفئ، بل حول ضغط الرقابة – الذي آلمه كثيراً – إلى مادة إبداعية. يربط لحلو بين الفن والحياة، بل ويجعل الإبداع امتداداً للتجربة الإنسانية. يرسخ بذلك أثراً يجعل من الإبداع ضرورة وجودية وليس ترفاً ثقافياً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *