تفاصيل جديدة حول من الشابل إلى الحلزون.. سوق الرصيف يروي قصة التغذية والمجتمع

يُسيج بروائحه الباذخة المنتشرة في كل اتجاه، يأسر في حباله بما يفيض من جنباته من نكهات شهية وألوان بهية، تدور فيه العين دورة الريح بين ذلك العرض الثر من التشكيلات الغذائية الطرية، فتُملأ أجواؤه بمزيج من المعروضات المتناسقة، والروائح المقتحمة حاسة الشم عنوة، المنسجمة معه أحيانا، المتناقضة تارة أخرى. تشد إليها في تجليها الطالع من دكاكين لا يزيد عمقها واتساعها على بضعة أمتار. وعلى الرغم من كل هذا الافتتان بأكل هذا المخلوق العجيب، فإن الحلزون يطلقونه في أمثالهم وفي كلامهم ذما لبطء الحركة؛ فيقال: “مشات غلالة فالحرث تجيب المحراث، رجعت فالدراس، زهقت وطاحت قالت: لهلا يتربح الزربة”، أو “بحال غلالة فالنافخ”، يضرب هذا المثل للإنسان الذي يكثر من الأنين. لقد تمتع هذا المسجد بمكانة علمية مرموقة على عهد السلطان مولاي سليمان لكثرة العلماء والخطباء الذين درسوا ودرّسوا فيه. وبعد كل هذه تلاقينا دكاكين المخللات من الزيتون والليمون المخلل بأنواع وأشكال متنوعة ثرة قل ما نلاقيها في مدن أخرى غير فاس. كما يمكن الحصول عليها معروضة في شارع السوق. فالمنافسة في هذا السوق قوية بين التجار، وتتجلى في حرص كل واحد منهم على أن يعرض بضاعة جديدة قبل غيره من التجار في السوق، وتجديد طرق اجتذاب الزبائن. لقد صُفف هذا السوق منذ قرون ماضية بدقة حكيمة وعناية لا مجال فيها للارتجال أو العفوية، منذ البدء حين كانت المعروضات من الخضروات والفواكه واللحوم البرية والبحرية الطرية لا تظهر إلا في مواسمها كقيمة محدودة زمنيا فقط، وتتوزع عبر تقسيماته تماشا مع الطبيعة المحيطة بالمدينة ومع ما تقدمه من منتوج نباتي وحيواني محلي. وكان هذا التحول يراد به تحولا مرحليا فقط، على أن يوجد لهذه الصناعة مكان مناسب غير هذه الساحة؛ لأن الضوضاء التي تحدثها هذه الصناعة لا تتناسب بأي حال من الأحوال مع محيط الساحة العلمي، حيث خزانة القرويين ومدرسة الطلاب وكتاب للقرآن وكل هذه المعالم العلمية تحتاج إلى الهدوء والسكينة والتركيز. فمدخل هذه المقصورة، التي كان يفصل فيها القاضي في قضايا الناس، يوجد في درب الحمام في علياء الربوة التي تربط بين رحبة الزبيب سوق الرصيف جانب الباب الرئيسية للمسجد الرصيف. لكن جرت الرياح على غير ما كان متوقعا. إن لسوق الرصيف مكانة خاصة في نفوس أهل فاس، وقديما كانت الدار التي يمر الطريق إليها عبر هذا السوق يزيد ثمنها وترتفع قيمتها؛ وذلك لما يعرضه من وفرة وثراء من كل أصناف الخضر واللحوم والفواكه أو غيرها من المواد الجاهزة للاستهلاك. غير أنه لما بني مسجد الرصيف بصومعة فائقة الارتفاع، خيف على الصومعة من التضرر من تأثير الضربات القوية لمطارق صناع الأواني، فأجريت عملية اختبارية لمعرفة إلى أي مدى ستأثر ضربات مطارق الصفارين على بناية المسجد وعلى صومعته الشاهقة، خاصة أن الجامع بني على امتداد الربوة. يحاكي هذا المسجد من حيث فضاؤه الداخلي جامع القرويين، كما زود هو الآخر بساعة شمسية في الصحن مثل القرويين، ويتميز عن باقي جوامع المدينة بصومعته التي هي الأعلى بين كل صوامع المساجد. وهذا ما يجعل السوق جذابا ومرغوبا فيه أكثر من غيره من أسواق المواد الغذائية في المدينة. يعرض هنا حيا لزجا بكميات وافرة للبيع، وهو في حركة زحف دائم فوق فوهات السلل القصبية وأكياس الخيش الكبيرة، والذي يعد تحضيره في فاس من الأطباق الشهية في فصل الشتاء ولكل بيت أسرار توابله في إعداده، حيث يتم إعداده عند البعض بكثير من قشور الرمان والبرتقال اليابسة أو القرنفل وأوراق الرند (موسى) والنعاع وعرق سوس، والقرفة والزعتر والفلفل الحار، وأزير وغيرها من التوابل. وكان الأطفال يبتهجون ملء صدورهم، وهم يحصلون من أمهاتهم على كتل بيض الشابل المجمعة والمضغوطة إلى بعضها في جوف الحوت مقلية يطلقون عليها اسم “لوليدات”، ظنا منهم أنها أبناء الحوت الذي لم تكتمل خلقته. سوق الرصيف تنتسخه في صورة باهتة أسواق أخرى موزعة فوق رقع جغرافية من المدينة القديمة، مثل سوق الجوطية والنواعريين، في دائرة اللمطيين، أو سوق الطالعة الكبيرة، سوق القرادين في عدوة القرويين أو أسواق ما لها من قرار اجثت من بين التجمعات السكانية هنا وهناك، نلاقيها في عدوة الأندلس، أو في غيرها خارج أسوار المدينة؛ لكنها جميعا لا تضاهيه، لا تشبهه، لا تحاكيه في تفرده، في نسيجه، في تركيبته، في منظومته وفي جاذبيته. تاريخ غير مكتوب لقد استمد هذا السوق اسمه من كونه يوجد في آخر نقطة جنوبية شرقية من عدوة القرويين، وبما أن هذه النقطة توجد على ضفة واد بين المدن الذي كان يفصل عدوة القرويين عن عدوة الأندلس فقد سميت هذه المنطقة برصيف الواد. يعتبر تحضيره عند الفاسيين من الأكلات الشهية الموسمية اللذيذة، حيث يطبخ لحمه بطرق عديدة: “قدرة” مثلا بالبصل والحموص أو البصل والزيتون، وقلة من كانوا يشوونه على الفحم. كذلك من بين الأسباب الرئيسية لعدم وجوده بناء سد المنع سبو Sebou Barrage de garde من جهة مدينة القنيطرة سنة 1991، حيث لم يُراع في بنائه فتح قنوات ومنافذ تسمح لحوت الشابل بمروره إلى النهر ليضع بيضه، كما هو معمول به في عدد من الدول الغربية كألمانيا التي تجعل لسمك السلمون منافذ في السدود لدخول المياه العذبة والعودة إلى البحر. حوت الشابل هو من فصيلة السلمون المرقط، ويعرف في اللغة الأوروبية باسم Alosa .

فهو لا زال عنوانا لاقتناء المواد الأساسية التي لا يعثر عليها بكل تلك الجودة في غير فاس. فهو يساعد على التخفيف من الإصابات بالبرد، وتقوية المناعة ومكافحة فقر الدم، وتحسين وظائف الجهاز العصبي، وجهاز التنفس وغيرها من الفوائد. هذا المسجد أمر ببنائه السلطان مولاي سليمان الذي ولد سنة 1766 وحكم المغرب من 1792 إلى سنة وفاته 1822، وحمل اسم جامع الرصيف وأيضا اسم المسجد الأعظم كما أورد محمد بن جعفر الكتاني في كتاب “سلوة الأنفاس”. حوت الشابل الذي اسمه ينحدر من فعل شَبَل، فيقال: “شَبَلَ الوَلَدُ: شَبَّ، تَرَعْرَعَ، نَشَأَ فِي نِعْمَةٍ”، كما جاء في المعجم. وقد اختلف الفقهاء في أكل الحلزون البري بين التحريم والإباحة؛ فالمالكية يبيحون أكله لأنه لا يحتوي على دم سائل إذا تم قتله بطريقة ما، وأما الحنفية والشافعية والحنابلة فأكله عندهم حرام، ذلك أنهم يدرجون كل ما ليس له دم سائل في الخبائث. فشهرة فضاءاته وصيتها في المدينة لا يمكن أن يتجاوزها الزائر مشتريا كان أو عابرا. حين لم يوجد مكان مناسب لهذه الصناعة طال عليها الأمد، وبقيت في مكانها الحالي إلى اليوم. وإن كان بعض المؤرخين ينسبون بناء المسجد إلى السلطان محمد الثالث، الذي حكم من سنة 1745 إلى سنة وفاته 1790؛ فإن المؤرخ أبا العباس أحمد بن خالد الناصري السلاوي ذكر في مؤلفه “الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى” أن “المسجد الأعظم بالرصيف الذي لا نظير له حفر أساسه المولى يزيد (حكم سنتين فقط من 1790 إلى 1792) واشتغل عنه وتركه فافتتح المولى سليمان أعماله ببنائه وتشييده وأبقاه دينا على الملوك.” ليس هناك سوق في فاس كلها مكتمل المعروضات الغذائية مثل سوق الرصيف الذي توارثت فيه عائلات فاسية عريقة سواء المهن كالجزارة أو صناعة المواد الأساسية في تشكيلة المطبخ الفاسي، خاصة والمغربي عامة، مثل الخليع والسمن، التي نلاقي دكاكين بيعها مباشرة بعد مفارقة صابة مقصورة القاضي، كما تعرض غيرها مادة أكريس والحلوة الفيلالية وحلوة الرغيفة، وأوراق العجائن مثل التريد وورقة البسطيلة. لقد كان هذا الحوت يدخل من المحيط الأطلسي عبر مصب نهر سبو من جهة القنيطرة، ويسبح ضد التيار المائي، ليضع بيضه في أماكن عديدة من هذا الوادي وفي روافده العديدة ثم يعود أدراجه إلى البحر. ويتابع هذا التقسيم من التخصصات المرتبة سابقا، حيث من هنا يبدأ حيز دكاكين بيع اللحم بمختلف أنواعه من غنم وبقر وماعز وقديما الجمال؛ وبينها دكاكين متخصصة في بيع “السقط”، أي كل ما هو داخل أمعاء الحيوان المذكى من قلب وكبد وطحال وكرشة، وأخرى لبيع الأكارع “كرعين” للغنم والبقر. أما التاريخ الشفوي فيقول: “إن سوق الرصيف كان جزئه الأول بعد الحواتين سوق صناعة القدور والأواني النحاسية المعروفة بالصفارين، حيث تحتاج هذه الصناعة هي الأخرى إلى الماء لغسل الأواني بعد إتمام تسويتها. نوبة الشابل فعند دخول السوق من أحد مداخله الغربية باب السلسلة، ومهبط سوق النيارين، يلاقينا الجزء الأول من السوق “الحواتين”، الذي كانت دكاكينه مشهورة ببيع حوت الشابل في موسم الربيع. فهذا المدخل كان مخصصا لبيع للقطانيات والبصل والتوم والقزبر والبقدنوس والنعناع وغيرها من النباتات التي تدخل في تجهيزات إعداد الأطعمة ووجبات الطعام. أما في المغرب فكان يطلق عليه اسم “الحوت الشريف”، اي النبيل، “لأنه لا يظهر إلا في فصل الربيع، أو “حوت الفقير” حيث كان يكثر في هذا الفصل فيكون اقتناؤه في متناول الجميع، كما يسهل صيده. قُدور من الزرزور أما في فصل الخريف، فكانت هذه الدكاكين في سوق الحواتين تعرض الطائر الصغير المهاجر “الزرزور”، حيا ومذبوحا للبيع، وثمن الحي منه أغلى من المذبوح، الذي كان يتم اصطياده بأعداد كبير أثناء رحلته السنوية من طقس أوروبا البارد إلى الأراضي الجنوبية الدافئة، حيث يقطع أكثر من خمسين كيلومترا يوميا في رحلته إلى مناطق في شمال إفريقيا، ويتغذى على الزيتون وعلى تمار النخيل. غير أن هذا الحوت الذي يولد في المياه العذبة ويعيش في البحر، للأسف قد انقرض من الأودية المغربية منذ سنوات الثمانينيات من القرن الماضي نظرا لكثرة اصطياده. هذا الطائر ذو المنقار الحاد، ولون الريش الأخضر والبني اللامع والمزركش يكون قدومه إلى أحواز فاس مرحبا به، ونعمة يستقبلها صيادوه بابتهاج كبير، حيث يدر عليهم أرباحا موسمية إضافيا؛ لكن بالنسبة لأصحاب أراضي شجر الزيتون فهو نقمة، حيث يأتي بأعداد كبيرة تلحق ضررا كبيرا بمحاصيل الزيتون. وفوق هذه الصابة كانت محكمة القاضي والتي كانت تسمى المقصورة، وآخر قضاة هذه المقصورة كان محمد بن عبد السلام السايح الرباطي. يتمثل حضور الزرزور في الثقافة الشفوية للمدينة في الحكايات والأمثال الشعبية؛ مثل حكاية “سبع قدور من الزرزور” التي أصبحت مثلا شعبيا متداولا يشير إلى البخل. جامع الملوك ثم تحت الصابة، جسر بناية، الوحيدة في هذا السوق والتي لها شكل قوس داخلي كانت تعرض تحته سلال من البيض البلدي للبيع. فبعد رحلته الشاقة إلى محيط فاس، ينتهي سفر أعداد منه في قدور المطبخ الفاسي. لم يكن افتتان الفاسيين بأكل لحم هذا الطائر البري عبثا، فقد تناولوا أطباقه لما يحتوي عليه لحمه من الفيتامينات المغذية والبروتينات وأيضا المعادن الضرورية التي يحتاجها الجسم، ولحمه يوفر سعرات حرارية مثل الحديد والزنك والكالسيوم التي تمنح الطاقة المناسبة على الرغم من معارضة بعض الفقهاء لأكله واعتباره مكروها، لأنه يتغذى أيضا على الدود والحشرات وبعض الزواحف الصغيرة.

فقد تفنن تجار بيع الزيتون في تشكيلاته؛ فخلطوه بالتوم وبالخضروات وبالليمون وبالفلفل الحار.. فالسمكة الواحدة من الشابل قد تضع في السنة ما يزيد على ستمائة ألف بيضة. ولكثرة معروضات خلطات الزيتون، يصاب المشتري بحيرة في اختيار الأنواع التي سيشتري بعد أن قدم له البائع من كل صنف حفنة زيتون ليتذوقها. كما تهاجر أنواع أخرى من الزرازير إلى شرق إفريقيا مثل إثيوبيا والصومال وأوغندا وكينيا وتنزانيا. كان الفاسيون يتهافتون على شرائه طيلة فصل الربيع ولا يملون من أكله طيلة الموسم، مقليا في الغالب مع نبات البقولة المفورة والمسقية بزيت الزيتون والمزينة بالزيتون المحمض وقطع من الليمون المخلل. لا ينسجم الحديث عن المطبخ الفاسي دون الحديث عن سوق الرصيف، عن فضاءاته، وتنوع بضاعته التي تزود المطبخ المحلي والخارجي بما يعزز التفنن في تشكيلاته الاحتفالية في المناسبات وفي المعتادة اليومية. بقايا أندلسية في مدخل سوق الرصيف الثاني الغربي الموازي للحواتين، المعروف “بالبستونية” نسبة إلى الكلمة الإسبانية Bastion أي المنطقة المحصنة، والاسم جاء مع الهجرة الكبرى الأخيرة لآلاف الأندلسيين إلى مناطق مختلفة من المغرب؛ غير أن أكثرهم استقر في مدن الشمال ونزح عدد لا يستهان به إلى فاس ما بين 1609 و1614، يستهل هذا المدخل بمقهى وبجانبها جامع كلاهما يحمل اسم المدخل البستيونية، غالبية رواد المقهى في الصباح الباكر هم الجزارة، قبل توجههم إلى “الكرنة” أو المجزرة لمزاولة أعمالهم، ومساء بعد العودة من المجزرة. لقد كان الفاسيون ولا يزالون يتهافتون كالعديد من المغاربة على أكل الحلزون؛ لما لمسوا فيه من فوائد طبية كثيرة، ولما يحتوي عليه من البروتينات والحديد والكالسيوم والدهون غير المشبعة. ومنطقي كذلك أن من يريد إقامة حفل عرس أو ختان أو حفل ديني أو تحضير “الخليع” سيجد مكان كراء أواني الطبخ مباشرة أمامه بعد شراء اللحم ولوازم إعداد الطعام في السوق. فوضع وعاء فيه غبار الحنة وفوقها بيضة في أعلى الصومعة وبعد ثلاثة أيام لوحظ ان البيضة غرقت في غبار الحنة إلى النصف من كثرة اهتزاز الصومعة بضربات مطارق صناعة الصفارين. لحضور الشابل أهمية معينة في المطبخ المغربي والفاسي خاصة، فقد أدرجه الشاعر الشعبي في قصائده ومنها “الزردة”، أي حفلة غذاء؛ فقال: تَمَّا اتْجِيبْ عَشْرِينْ مَنْ الشَّابَلْ طَايْبَا وَدْكِيَّا * وَخْرِينْ كِيفْهَا مَقْلِيَّا * فِيهَا انْضْرَبْ غَلْقَا تُشّكَارْ. لقد ربط هذا السوق في الماضي، قبل تغطيته في بداية السبعينيات من القرن الماضي ليصبح طريقا للسيارات المتجهة إلى المدينة الجديدة وإلى شرق المدينة وباب الفتوح، قنطرتا عبور فوق الوادي تصلانه مباشرة بالعدوة المقابلة عدوة الأندلس؛ وهما قنطرة الرصيف أو قنطرة أبي برقة والتي بناها دوناس بن حمامة الأمير المغراوي بين سنة 1040-1060م وكانت بجانبها سقاية تحفة معمارية وقنطرة الطرافين، وكان ذلك قبل تغطية الواد وهدم قنطرة الرصيف ومعها سقايتها الرائعة. اليوم، عرف سوق الرصيف تمددا وأصبحت ملحقاته أطول من مجاله نفسه، فتمددت شرقا إلى أن وصلت إلى مقربة من حي القلقليين؛ لكن جاذبية الرصيف لم تتأثر بهذا التمدد، ولم يغير من سمعة سوق الرصيف ولا نقص من قيمته، ولا من مكانته كسوق متميز عن باقي أسواق المدينة القديمة، ولا يزال مقصد الزوار سواء من الأحياء المجاورة أو من العدوتين أو من أحياء المدينة الحديثة؛ بل يقصده حتى الزوار القادمين إلى فاس من المدن البعيدة. كما يعتبر أيضا من الوجبات العريقة والشهية والمتميزة التي يشترك فيها عدد من دول شمال إفريقيا ودول جنوب أوروبا مثل تركيا واليونان وإيطاليا وفرنسا، وتقدمه أشهر المطاعم الفرنسية كأكلة فاخرة، بطرق مختلفة. كما أدرج الشاعر محمد بن علي المسفيوي أكل الزرزور في قصيدته “الزردة “حين قال: طَاجِينْ مْنَ الزَّرْزُورْ ** تَنْحَبّْ يُوجَدْ الّْفْطُورْ بيت الحلزون في فصل الشتاء تتحول هذه الدكاكين في الحواتين إلى سوق بيع الحلزون البري “غلال” كما يسمى في فاس، فيقال: “غِلالة العين: غطاء وقاية رقيق يحيط بها” كما ورد في المعجم العربي، أو “الببوبوش” في أغلبية مناطق المغرب، كما يسميه آخرون “بوجغلال”. يتكاثر وينتشر الحلزون على ضفتي البحر الأبيض المتوسط وأوروبا الغربية وفي بعض مناطق آسيا الصغرى. وقد بني سنة 1808 ميلادية على يد المهندس المعماري السلطاني الحسن السوداني. فالمدخلان الغربيان لسوق الرصيف الحواتين والبستيونية يفضيان إلى ساحة صغيرة كانت تعرض المنتوجات الفلاحية الموسمية من الخضروات أو الفواكه بكميات محدودة آتية من الجنائن الممتدة على جنبات واد سبو من جهة فاس أو على ضفاف أودية جانبية تصب في واد بين المدن أو واد بوخرارب مثل واد المالح أو واد الزيتون. فهاذ الفيض السخي يغري بلمس البضائع يمنة، بتذوقها، شمها وهي مصففة نصفها إلى الشارع في عنفوان مشتهى بين الطازج والنيئ، المطبوخ الحلو والحامض، الجاهز المعد للأكل أو المهيأ لحاجيات المطابخ. أما بابه الرئيس فيصعد إليها من سوق الرصيف عبر طريق ذات أدراج يربط بين سوق الرصيف ورحبة الزبيب، والباب الثاني في أسفل الجامع وسط السوق تحاذيه سقاية جانبية جميلة. فالشابل كان يتم اصطياده في واد سبو، الذي يبعد عن المدينة بحوالي خمسة كيلومترات. ومخافة من انهيار الصومعة أو تصدعها من جراء ضربات المطارق عبر تعاقب الأيام، تم نقل هذه الصناعة إلى مكانها الحالي بساحة الصفارين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *