علمت هسبريس من مصادر جيدة الاطلاع أن المفتشية العامة للمالية رصدت مؤشرات تلاعب في تنفيذ صفقات عمومية متعثرة لدى 17 مؤسسة ومقاولة عمومية وملحقاتها، وذلك إثر تفويت صفقات لمقاولات قدمت عروض أثمان متدنية (رخيصة) بشكل غير مبرر، أفضت إلى اختلالات جسيمة في التنفيذ الميداني وعرقلت مسار مشاريع عمومية ذات أولوية. وأفادت المصادر ذاتها بأن المفتشين وقفوا على إخلالات إجرائية جوهرية، تمثلت في إهمال مسؤولين عن تدبير طلبات العروض في مؤسسات عمومية التثبُّتَ من جدية الأسعار المقترحة ومطابقتها لتكاليف المواد الأولية واليد العاملة ومتطلبات الإنجاز، فضلا عن قصور واضح في مقارنتها بالبيانات التفصيلية للأسعار التقديرية المعتمدة. وأوضحت المصادر في السياق ذاته أن بعض هذه التجهيزات سُلِّمت دون استيفاء المواصفات التقنية المتفق عليها، في حين وقّع مسؤولون على محاضر تسليم دون إجراء معاينة فعلية على أرض الواقع، وهو ما اعتبره المفتشون في حد ذاته مخالفة صريحة لمقتضيات المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية. وسجل مفتشو المالية، حسب مصادر الجريدة، ضعفا في صياغة طلبات العروض المشار إليها، ما أوقع عددا من المتنافسين في التباس حول بعض بنود الأشغال، وأفرز تفاوتا كبيرا في العروض المقدمة، مؤكدة أن مهام التدقيق الجارية امتدت إلى مراجعة محاضر تتبع الأشغال والتسليم المؤقت، حيث توقفت جهة التفتيش عند اختلالات في مراقبة الأشغال ومعاينة السلع والتجهيزات الموردة لأصحاب المشاريع.
وطالت عمليات التدقيق المالي، وفق مصادر هسبريس، حالات إلغاء صفقات بمبررات تقنية، وإعادة تفويتها لشركات صغيرة حديثة التأسيس، مع تجاهل المخاطر المرتبطة بقدرتها المالية والتنفيذية على إنجاز الالتزامات المكلفة بها. وأوضحت أن هذا الإهمال لم يكن وليد الصدفة في جميع الحالات؛ إذ لمحت مؤشرات إلى تجاوز متعمد لمساطر الانتقاء، ما عزز الشكوك حول شبهات تواطؤ بين مسؤولين عموميين وشركات بعينها. وقد أظهر افتحاص المعاملات السابقة لبعض هذه الشركات اختلالات في ملاءتها المالية، وتراكم ديون لدى موردين وزبائن، إضافة إلى ملاحقات جبائية في سياق مراجعات ضريبية حديثة، ما طرح تساؤلات جدية حول مدى استيفائها لشروط الأهلية اللازمة للمشاركة في طلبات عروض عمومية أصلا. وأكدت المصادر نفسها استناد مصالح التفتيش التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية إلى شكايات متنافسين بشأن خرق مبدأ اختيار العرض الأفضل اقتصاديا لصالح الأقل سعرا، خلافا لمتطلبات الحكامة في تدبير الصفقات العمومية، بعدما تبيّن أن عددا من الشركات الفائزة بهذه الصفقات أسقطت من عروضها تكاليف أساسية، شملت نفقات تتبع الأشغال والمصاريف الطارئة المرتبطة بطبيعة المشاريع، إضافة إلى تعويضات الخبرة التقنية الخارجية الضرورية لإتمام الإنجاز.
ويكتسب هذا الملف أهمية استثنائية في ظل الطلبيات العمومية البالغة 380 مليار درهم المرصودة للسنة الجارية، والزخم التنموي المرتبط بالتحضير لاستضافة نهائيات كأس العالم 2030، حيث لا تتحمل هذه الأوراش الكبرى أي هدر أو تعثر قد يُلقي بظلاله على الجداول الزمنية للإنجاز ويُكبّد المال العام خسائر يصعب تداركها. يأتي هذا التدقيق في سياق التوجيهات التي رسمها قانون المالية 2026، الرامية إلى عقلنة تدبير الصفقات العمومية واستدامتها، وتعزيز الشفافية في انتقاء العروض.
