تشهد كأس العالم 2026، للمرة الأولى في تاريخها، مشاركة 48 منتخبا في توسّع غير مسبوق لعدد المشاركين، وفي خطوة تثير جدلا واسعا حول ما إذا كان هذا التغيير سيؤدي إلى تقليص عنصر الإثارة والمفاجأة الذي شكّل على مدى عقود أحد أبرز سمات الحدث الكروي الأهم في العالم. أما بالنسبة للمنتخبات الكبرى، فإن الأولوية في المرحلة الأولى ستكون ببساطة تفادي أية مفاجآت مبكرة. فهو أقل من 25 في المائة من أصل 211 دولة عضو في “فيفا””. وفي هذا السياق، قال الألماني توماس توخل، مدرب المنتخب الإنجليزي: “تركّز فقط على دور المجموعات، هذا ما تفعله، وتتأكد من أنك في الحالة الذهنية الصحيحة”. “تطور طبيعي” لا يمكن وصف تاريخ كأس العالم، في جزء كبير منه، بأنه كان بطولة عالمية بالمعنى الحقيقي، إذ هيمنت عليه منتخبات أوروبا وعدد محدود من دول أمريكا الجنوبية، قبل أن يستقر على نظام 16 منتخبا، ثم يتوسع إلى 24 عام 1982. “تراجع في الإثارة” هذا التوسّع يفتح الباب أمام مخاوف متزايدة من أن البطولة قد تفقد جزءا كبيرا من عنصر “المخاطرة” في مراحلها الأولى، حيث يُرجَّح أن لا تكون المنتخبات الكبرى قلقة بالشكل ذاته حتى في حال تعرضها لهزيمة مبكرة، على عكس ما حدث في نسخة 2022 عندما عاش المنتخب الأرجنتيني، الذي تُوّج باللقب في ما بعد، حالة من القلق الحقيقي عقب خسارته أمام السعودية. وأضاف فينغر: “أعتقد أن 48 منتخبا هو الرقم المناسب. ففي نسخة 2022، خاضت المنتخبات 48 مباراة في دور المجموعات لإقصاء 16 فريقا؛ بينما سترتفع الحصيلة في النظام الجديد إلى 72 مباراة في المرحلة الأولى من أجل خروج العدد ذاته. وكان إنفانتينو قد شدّد، حينها، على أهمية منح “فرص أكبر لعدد أكبر من المنتخبات”، مشيرا إلى أن كأس العالم يجب أن يُنظر إليها باعتبارها “أكثر من مجرد بطولة رياضية؛ بل حدثا اجتماعيا أيضا”. وجاء التوسّع إلى 32 منتخبا اعتبارا من نسخة 1998 ليمنح توزيعا أكثر عدلا للمقاعد على مستوى العالم، إلا أن مونديال قطر 2022 لم يشهد سوى خمسة منتخبات إفريقية مقابل 13 منتخبا أوروبيا.
أما الزيادة إلى 48 منتخبا، فتهدف إلى تحقيق توزيع أكثر توازنا دون سحب مقاعد من أوروبا، إذ بات لـ”القارة العجوز” 16 مقعدا، مقابل 10 لإفريقيا، و9 لآسيا، و6 لكل من أمريكا الجنوبية ومنطقة كونكاكاف، إضافة إلى نيوزيلندا ممثلة أوقيانيا. وللذهاب بعيدا، ستضطر المنتخبات إلى خوض ثماني مباريات بدلا من سبع سابقا للوصول إلى النهائي؛ ما يضيف عبئا بدنيا كبيرا، خصوصا في أجواء صيفية مرهقة في أمريكا الشمالية، ويزيد الضغط على اللاعبين الأساسيين في الفرق الكبرى. كما أن مشاهد خروج منتخبات عملاقة من دور المجموعات، كما حدث مع ألمانيا في آخر نسختين، قد تصبح أقل احتمالا في النظام الجديد. كما حذّر الصحافي الرياضي البريطاني سالف الذكر من أن إضافة دور إقصائي جديد قد يدفع بعض المنتخبات إلى تبني أسلوب أكثر حذرا ودفاعية. شكّل هذا التوسّع ترجمة مباشرة لأحد المقترحات الرئيسة التي قدمها جاني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، بعد فترة قصيرة من توليه قيادة “فيفا” عام 2016. وقد سمح هذا التوسّع لعدد من الدول الصغيرة حول العالم بالوصول إلى النهائيات للمرة الأولى؛ أبرزها جزيرة كوراساو الكاريبية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 160 ألف نسمة. أما إفريقيا، فقد اكتفت بإجمالي أربعة ممثلين فقط خلال أول 11 نسخة من البطولة قبل عام 1982. ويمنح النظام الجديد الفرصة أيضا للمنتخبات غير المرشحة لتخطي دور المجموعات والوصول إلى دور الـ32 الذي يشكّل المرحلة الاولى من الأدوار الإقصائية، حيث يتأهل أول فريقين من كل مجموعة من أصل 12 مجموعة، إلى جانب أفضل ثمانية منتخبات في المركز الثالث؛ ما يجعل فوزا واحدا في الدور الأول كافيا أحيانا لبلوغ الأدوار الإقصائية. وفي هذا السياق، قال أرسين فينغر، رئيس تطوير كرة القدم العالمية في الاتحاد الدولي الفرنسي، في دجنبر: “إنه تطوّر طبيعي. وحتى بحلول مونديال 1990، لم يتجاوز عدد المشاركين من إفريقيا وآسيا ومنطقة كونكاكاف (أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي) منتخبين لكل منطقة.
وفي هذا السياق، أورد جوناثان ويلسون، مؤلف كتاب “القوة والمجد.. وقال فريد روتن، مدرب كوراساو الهولندي، لوكالة فرانس برس: “مرة كل عقد أو كل أربع سنوات، يحدث أن تظهر دولة صغيرة كعنصر مفاجأة”، معبّرا عن أمله في تحقيق مفاجآت كبرى في البطولة. كما تأهلت منتخبات الرأس الأخضر والأردن وأوزبكستان للمرة الأولى في تاريخها. وأوضح ويلسون: “أفهم حجة زيادة التمثيل؛ لكنني أعتقد أن نظام 32 منتخبا كان مثاليا”، لافتا إلى أن المشكلة الأساسية ليست في المستوى الفني؛ بل في “تراجع قيمة الإثارة في الدور الأول بسبب وجود ثمانية منتخبات تحتل المركز الثالث وتتأهل”، مبرزا أن ذلك قد يجعل دور المجموعات “يمتد أكثر من اللازم ويختبر صبر الجماهير”. نريد جعل كرة القدم منتشرة في كل أنحاء العالم”. Voice Of Time تاريخ جديد لكأس العالم”، أن النظام السابق المكوَّن من 32 منتخبا كان مثاليا. ففي نسخة 1978، كان 10 من أصل 16 منتخبا من أوروبا؛ بينما في مونديال 1990 في إيطاليا بلغ عدد المنتخبات الأوروبية 14 من أصل 24.
