في افتتاح الدورة الثالثة من “ندوة البحار الإفريقية ـ AMS”، شدد خبراء مغاربة وأجانب على ضرورة استغلال الإمكانات البحرية الكبيرة التي تزخر بها القارة الإفريقية، من أجل تحويلها إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والتكامل الإقليمي، في ظل التوترات الجيوسياسية المتسارعة عالميا. وتساءل الباحث في مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد أيضا عما “إذا كانت إفريقيا تريد فقط التكيف مع الديناميات البحرية العالمية، أم أنها تطمح إلى أن تصبح فاعلا مركزيا فيها، في عالم أصبح فيه البحر فضاء محوريا للقوة؛ فإفريقيا لن تُقاس فقط بسواحلها، بل بعمق تفكيرها الاستراتيجي البحري”. وتوقفت المحامية بيي عند المبادرات الإفريقية في المجال البحري، مذكرة ببرنامج ترسيم الحدود البحرية، وبمشروع إنشاء وكالة إفريقية للشؤون البحرية، ثم بالاستراتيجية الإفريقية المتكاملة للبحار والمحيطات AIM 2050، التي اقترحت إنشاء “المنطقة الاقتصادية الإفريقية المشتركة” كإطار للتكامل وتقاسم السيادة البحرية دون المساس بالحقوق السيادية للدول.
وأوضحت بيي، ضمن مداخلتها، أن اتفاق BBNJ يفرض على الدول الإفريقية تحديات جديدة تتعلق بالمراقبة البحرية وحماية الموارد، ومواءمة التشريعات الوطنية مع الالتزامات الدولية، خاصة في ما يتعلق بمبدأ “العناية الواجبة” ومسؤولية “دولة العلم” في مكافحة الصيد غير القانوني. “تشريعات البحار” ديينابا بيي، محامية سنغالية متخصصة في القانون الدولي، أكدت أن اتفاق التنوع البيولوجي خارج الحدود الوطنية (BBNJ)، يشكل امتدادا لقانون البحار ويهدف إلى ضمان الاستخدام المستدام للموارد البحرية في أعالي البحار”، مشيرة إلى أهمية الرأي الاستشاري الصادر عن المحكمة الدولية لقانون البحار سنة 2015 بشأن الصيد غير القانوني، والذي “بدأ يفرض نفسه تدريجيا داخل النقاشات القانونية والمؤسساتية الدولية”. وانسجاما مع موضوع الندوة، سجل مشروح أن “إفريقيا تحتل موقعا فريدا، حيث تقع عند تقاطع فضاءات بحرية كبرى عديدة (المحيط الأطلسي، البحر الأبيض المتوسط، البحر الأحمر، والمحيط الهندي)؛ غير أن هذه المركزية الجغرافية لم تتحول بعد، بشكل كامل، إلى مركزية استراتيجية”.
وأكدت المتحدثة أن “غياب إدراج هذه الالتزامات داخل القوانين الوطنية الإفريقية يكشف الحاجة الملحة إلى إصلاحات قانونية ومؤسساتية تُمكن القارة من الدفاع عن مصالحها البحرية بشكل أكثر فعالية”. والتحدي الرئيسي، أورد المتحدث، “لم يعد يقتصر على استغلال البحار الإفريقية؛ بل على كيفية التفكير الاستراتيجي بخصوصها”، مبرزا أن “هناك فرقا جوهريا بين امتلاك مجال بحري وبين بناء حضور وقوة بحريين، والجغرافيا تمنح الإمكانات، إلا أن الاستراتيجية وحدها هي التي تمكن من تحويل هذا المجال إلى حضور سياسي ونمو اقتصادي وصمود استراتيجي أيضا”. ولفت المتحدث إلى أن “البحر لم يعد مجرد فضاء للعبور؛ بل أصبح أيضا فضاء مركزيا يترجم الرهانات والتنافسية الدولية”، وزاد: “الطرق البحرية تهيكل التجارة العالمية، وقاع المحيطات يحتضن موارد حيوية؛ فيما تشكل الكابلات البحرية الدعامة الأساسية للاقتصاد الرقمي العالمي”.
