بعنوان “القرآن بين الألسن من الأمس إلى اليوم: رهانات السياق وأسرار البيان”، تنظم الهيئة الأكاديمية العليا للترجمة التابعة لأكاديمية المملكة المغربية ندوة دولية بالرباط، اليوم الأربعاء وغدا الخميس، تستقبل أكاديميين من القارتين الإفريقية والأوروبية. بل تشمل كيف نميز الترجمة والتفسير؟ أما عبد المجيد الشرفي، عضو أكاديمية المملكة المغربية، فتطرق للإشكالات النظرية والعلمية التي تطرحها ترجمة القرآن إلى لغات أخرى، والتي بدأت في زمن نشر الإسلام بعدما صار المخاطبون آخرين لا ينتمون إلى فضاء الحجاز ومحيطه “موحد اللغة”، وصولا إلى إقرار شرعية الترجمة مع أبي حنيفة. وذكّر عبد الفتاح الحجمري بأن اللغة العربية قد عرفت منذ ما يزيد عن سنة “إنجاز معجمها التاريخي، في الشارقة والدوحة، وهو ما سيساعد المترجمين والباحثين للوصول إلى المصادر الأولى للعربية من أجل ترجمة القرآن الكريم ونقل معانيه إلى لغات العالم”، علما أن “كل لغة فضاء للرؤية والمعنى”، وكل نقل لمعاني القرآن “لقاء بين الوفاء والتأويل، بين الوحي والمنطق الإنساني في الفهم”.
في افتتاح الندوة، قال عبد الجليل لحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، إن هذه الندوة “تلتئم حول موضوع جليل القدر، دقيق المسالك وواسع الآفاق، يتصل بكتاب الله من جهة، ومسالك فهمه وتلقيه عبر اللغات والثقافات”، مردفا أن هذا “الاجتماع النوعي الفكري له وزنه وضرورته، لأننا ننظر في قضية تتجاوز حدود النقل اللغوي إلى البيان الإلهي وحدود العبارة البشرية (…) والأصل الذي يستمد قداسته من الوحي، واللغات التي تحاول أن تقارب معانيه، وتفتح للناس أبواب التدبر فيه”. وفي “هذه المحطة العلمية المثمرة”، ذكر لحجمري أن المطروح اليوم لم يعد محصورا في سؤال “كيف نترجم؟ ومن بين ما استحضرته كلمة أمين سر أكاديمية المملكة، “ما امتاز به المغاربة من علاقة بالمصحف الشريف ضبطا وتجويدا وتوقيرا، فنشأت تقاليد راسخة في خدمته”، في النسخ، وإتقان الخط، والزخرفة، وترسيخ الكتاتيب والمدارس القرآنية، وإكرام أهل القرآن وحملته، فضلا عن “ارتباط وثيق جعله جزءا من الحياة العلمية والروحية والاجتماعية”، نظرا لـ”الوعي بمركزية القرآن في بناء الإنسان”، وقدم مثالا في هذا السياق برعاية الملك محمد السادس “بكتاب الله العزيز”، ونشره، الذي كانت آخر مستجداته المصحف المحمدي الرقمي، المرفق بالشرح، والتفسير، والتجويد. وكان التحدي هو “كيف يمكن التوفيق بين عالمية الرسالة ومحلية اللغة”، مما قاد إلى “محاولات نادرة ومبتدئة، من أفراد وجماعات، لنشر الإسلام”.
وكيف التعامل مع الخصوصية البلاغية والبيانية للقرآن مع لغات ذات بيان وحمولة ثقافية أخرى؟ وفي الندوة الدولية، تحدث تريتستان فيغليانو، أستاذ الأدب الفرنسي واللاتيني في عصر النهضة بجامعة إيكس مارساي، عن “الأصوات المتعددة في مقاربة الموضوع نفسه”، من أجل “فتح مسارات الفهم”، لأن “ترجمات القرآن تعددت مع القرون، بمقاربات ونوايا متنوعة”. وما الذي تتيحه الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي دون تفريط في الأمانة العلمية واختزال النص في مقاربات لغوية باردة؟”.
