في جزأين، صدر لأستاذ العلوم السياسية رئيس مركز معارف المستقبل للبحوث والدراسات، سلمان بونعمان، كتاب بعنوان “النهضة اليابانية: دراسة في تجربة المصالحة بين الهوية والحداثة”. ذلك أن النجاح الحضاري يقوم على تراكم متدرج تتشكل عبره المقدمات الموفقة، وتنضج داخله الشروط الحضارية اللازمة، وتنتظم خلاله الرؤى الاستراتيجية التي تجعل من تفجير طاقات الإنسان وإبداعاته مرتكزها الأول”. ولهذا، يضيف الباحث: “تستحق التجربة اليابانية الدراسة بأدوات التحليل الحضاري الهادئ، الذي يكشف الآليات قبل أن يصدر الأحكام، ويستخلص العِبر التاريخية في توازن دقيق بين تعرّف الخصائص الفريدة لكل تجربة، والإفادة من قوانينها العامة دون استنساخ شكلي لمسارها. ويفهم الكتاب النهضة اليابانية من زاوية “التفاعل النسقي بين الدولة والمجتمع والنخب”، ويستعيد “إيقاع تحوّلٍ بطيءٍ مرّ بأطوارٍ ثلاثة قبل أن يخرج إلى الضوء في صورته الباهرة”، لينفتح انطلاقا من “هذا النموذج المركب” على سؤال أخير “يستحضر التجربة اليابانية لمحاورة المأزق العربي الإسلامي، ويسعى إلى تحرير النقاش من ثنائية الاستلاب والانغلاق، وفتحِ أفقٍ ثالثٍ يُعيد بناء سؤال النهضة من جذره”. العمل الصادر عن “عقول الثقافة للنشر والتوزيع”، بشراكة مع “مركز معارف المستقبل للبحوث والدراسات”، اعتبر أن “مسألة المصالحة بين الهوية والحداثة” هي “المدخل الأمثل للتفكير في النهضة اليابانية”. Voice Of Time
ويتّضح في هذا المستوى أنّ التراكم المادي يكتسب وظيفته الحضارية حين تسنده ثقافةٌ فاعلة ومرجعيةٌ روحية شاملة وأخلاقٌ منتجة، وذوقٌ منسجمٌ مع الذاكرة الجماعية”. ومن داخل هذا الأفق ينتقل التحليل من شروط التكوين إلى قوى التحفيز والتحويل، ومن البنية الحاملة إلى الطاقة المحركة. ومن بين ما ينبه إليه الكتاب، وفق مقدمته، أن مقولة “المعجزة اليابانية” في صيغتها الشائعة “تنزع التجربة من سياقها التاريخي والسوسيو-حضاري، وتُلبسها رداء الاستثناء الذي يعفيها من قوانين الحركة الحضارية المشتركة، فيتم دراستها لغزا قدريا متعاليا على شروطه”. ليسترسل قائلا: “ما إن استقام هذا الفهم في رؤيتي، حتى تحرر فهم التجربة من إغراء الانبهار، ومن استنزاف الجهد في فك “لغز” متخيَّل يضع الصعود الياباني خارج شروطه التاريخية الموضوعية. ويخصص الجزء الثاني من الكتاب لفهم النهضة اليابانية بالنظر إلى “عمقها الرمزي والأخلاقي والجمالي؛ إذ يستحيل أن تتحرك المؤسسات والأسواق والمدن والمدارس بمعزلٍ عن منظومةٍ روحية تمنحها معنى وذوقا، ووجدانا جامعا. وعندئذ تتحول قصة النجاح اليابانية إلى نموذج قابل للتفهم، منفتح على المساءلة، ملهم للتجارب الحضارية الأخرى التي تبحث عن طريقها الخاص في النهضة”.
وسار بونعمان في هذا البحث “على هدي نموذج تفسيري حضاري”، يقي “معضلتي الاختزال والانغلاق”؛ فكانت أطروحة الكتاب الكبرى “تتبع المسارات البطيئة المعقدة، والتراكمات الهادئة الممتدة بين 1603 و1868، لتكشف عن حضور الهوية المحلية في بناء النهضة وصناعة الحضارة وتشييد الحداثة، حضورا يربطها بجذورها وفي الوقت نفسه يفتحها على غيرها، فيقيها الانغلاق على الذات والاستلاب أمام الآخر معا”. ويعلق الجامعي على المذكور: “في مقابل هذه القراءة الاختزالية، بدا لي أن قيمة النموذج تتأكد عندما ندرس التجربة اليابانية بوصفها مسارا إنسانيا وحضاريا تتداخل فيه الإيجابيات والإخفاقات، وتنتظم داخله الخصوصيات المحلية ضمن دائرة التجارب البشرية الكبرى، فتغدو شاهدا متميزا على قدرة الإنسان حين يمتلك إرادة الفعل وصلابة المسار، ومرونة التكيف مع تحولات الزمن”. ويتجه العمل إلى “التنقيب في الجذور العميقة والتراكمات الطويلة للنهوض الياباني الحديث (الميجي) والمعاصر (ما بعد 1945)، سعيا لفهم سيرورة تشكل النهضة التوكوغاوية المبكرة منذ القرن السادس عشر، وبذور الحداثة اليابانية الجنينية منذ القرن الثامن عشر”، مع توجه إلى “استكشاف السياق السياسي والتاريخي والحضاري الذي انبعثت فيه التجربة، وإلى رصد مقومات النهوض وآلياته وتفاعلاته الداخلية والخارجية، مع تتبع الصيغ الفكرية والسياسية والدينية التي تدبّرت بها التوترات والأزمات داخل المجتمع الياباني قبل 1868، والتي مكنته من تحقيق الاستقرار والتراكم والانضباط، وتعزيز قيم الاجتهاد والعمل واحترام الآخر وتقدير الإبداع”. هكذا “جاء النموذج حضاريا في طبيعته، لأنه يستوعب المقومات والتراكمات الحضارية في أبعاد النهضة التوكوغاوية كلها، من السياسة إلى الدين، فالسيادة والمعرفة والتعليم والاقتصاد، وصولا إلى الفن والأدب والجماليات”، ويقرأ سيرورة التجربة اليابانية “في أفق الدورة الحضارية التي تتعاقب فيها مراحل الصعود والانحدار، وتتكثف داخلها سيرورات التفاعل والتلاقح والتداول التاريخي بين الذات والآخر”.
