مَنْ جَعَل الأغنيةَ بيْتًا للحَنِينِ..

الذي لم يغنِّ… وإنما جعل المغرب يسْمعُ نَفْسَهُ كيف يمكنُ لصوتٍ واحدٍ أن يحملَ ذاكرةَ فاس، وقلقَ الرّباط، وصخبَ الدار البيضاء، وحنينَ القاهرة، ثم يعودَ ليصهرَ كلَّ ذلك في قلبِ أغنية؟ وهل كان يغنّي للنّاس، أم كان يغني ما يعجز الناس عن قوْله؟ كان صوته يقاوم الزمن، وكانت كل أغنية عنده رسالةً سريةً بين الإنسان ونفسه. لقد ظهر أثره بوضوح في حضوره الفني. ولهذا لم يكن دخوله السينما صدفة؛ في “الحياة كفاح”، “رمال من ذهب”، “أين تخبئون الشمس؟”، ” الزر الأخضر”، “أيام شهرزاد الجميلة”، و”خفايا”، نرى فنانًا يبحث عن توسيع أدواته التعبيرية. وهذا ما يفسر حضوره في السينما؛ فالفنان الذي يغني بهذه الطريقة لا بد أن تكون له علاقة بالصورة والحركة والظل. كان الدكالي يدرك أن الفن الحقيقي لا يعيش بالاكتمال، وإنما بالنَّقص. ولهذا لم يشعر الناس يوماً أن أغانيه بعيدة عنهم، حتى وهي تحملُ أبعاداً فكرية وإنسانية عميقة. كيف استطاع عبد الوهاب الدكالي أن يجعل من الحب قضية، ومن الغُربة مرآة، ومن الوطن كائنًا حيًا نغار عليه ونشتاقُ إليه؟ ذاكرةٌ تمشي على وَتَرٍ فهل كان عبد الوهاب الدكالي مجرد مُطربٍ كبير، أم كان ذاكرةً صوتيةً لوطنٍ كامل؟ لقد جعل الدكالي المغربيّ يسمع حزنه دون خجل، ويعترف بضعفه دون انكسار، ويحبّ وطنه كما لو أنه شخص قريب يخاف عليه. عندما سجَّل “مول الخال”، ثم “يا الغادي في الطوموبيل”، كان يضع يده على شيء ذكيّ وخطير: الأغنية يجب أن تكون قريبة من الناس، لكنها لا يجب أن تكون سَطحية. كان يبدو كأنه يحمي فنَّه من صخبِ الاستهلاك السريع، ويحافظ على تلك المسافة الضرورية بين الفنان ومنطق الفُرجة العابرة؛ لذلك احتفظ اسمه بهيبته وقيمته. وحين يرحل فنان من هذا الحجم، لا نكتب عنه لنودّعه، نكتب كي نعيد الإصغاء إلى ما تركه فينا من ضوءٍ وحنين وأسئلة لا تشيخ. لذلك لم نستمع إليه بوصفه مطربا فقط، أصغينا إلى فنانٍ يفهم هشاشتنا ويترجم ما نعجز عن قوله. وعبد الوهاب الدكالي ينتمي إلى الفئة الثانية؛ لأنه لم يكن مجرد صاحب أغنيات ناجحة، كان حالة شعورية رافقت تحولات الإنسان المغربي وهو يحاول أن يفهم نفسه داخل عالم يتغير بسرعة. في ” الطوموبيل”، لا نسمع فقط وسيلة نقل، نسمع زمنًا مغربيًا يتحرّك. وهذا ما جعل الدكالي فنانًا متقدمًا على لحظته: كان يقرأ التحول الاجتماعي من داخل الأغنية، دون أن يقدم محاضرة. حين صار الحنينُ مَقَامًا مغربيا ثمة فنانون ينجحون في أن يكون لهم جمهور، وثمة فنانون آخرون ينجحون في أن يكون لهم زمن. لذلك كان يعتمد على الصدق الذي يمر عبره الصوت. في أغاني الحب عند الدكالي، لا نجد ذلك الغزل السهل الذي يكتفي بوصف الجمال أو الشكوى من الفراق؛ فالحب عنده تجربة عميقة تكشف الإنسان أمام ذاته. الإنسان يتعلق بالأغاني التي تترك داخله فراغًا صغيرًا، سؤالًا غير مكتمل، أو حنينًا لا يعرف سببه تمامًا.

وحين يغني الخصام، لا يقدمه بوصفه نهاية للعلاقة، وإنما يجعله دليلاً على استمرارها، وإن كان استمراراً موجعاً. ليست هذه الكلمات رثاءً لفنانٍ رحلَ، فالرثاء يبدأ حين ينطفئ الأثرُ، وعبد الوهاب الدكالي لم يرحل عنّا، ذلك أنه يترك صوته معلّقًا في ذاكرة الناس مثل نافذة مفتوحة على زمنٍ أكثر دفئًا. إن سرّ َهذا الفنان يُوجد في جَمال نبرته وفي قدرته النادرة على تحويل الأغنية إلى مرآة وجدانية؛ مرآة يرى فيها المستمع ضعفه، وحنينه، وحُبه، وخَوفه، وخَساراته الصَّغيرة التي لا يَعرف كيف يُسَمِّيها. لذلك تكتسب” أنا والغربة” معناها العميق؛ فهي لا تتحدث عن مكان بعيد بقدر ما تتحدث عن روح تبحث عن مأوى. هناك مطربون يُغنُّون الجملة، أما الدكالي فكان يعيشها قبل أن ينطق بها. هذا النوع من العناوين يكشف أن الدكالي لم يكن مطربًا وجدانيًا فقط، كان صاحب عين ناقدة؛ كان يرى التحولات الأخلاقية والاجتماعية ويحولها إلى فنّ. السيارة هنا ليست تفصيلًا عاديًا، إنها رمز لدخول المجتمع إلى إيقاع جديد؛ سرعة، مدينة، انتقال، حداثة، وارْتباك. كما أن تكوينه المسرحي مع “فرقة المعمورة” لم يكن تفصيلًا ثانويًا. لم يشعر الناس يوماً أنه كان يطارد الضوء، كانوا يشعرون أن الضَّوء نفسه هو الذي يسعَى إليه. كان الدكالي حكّاءً قبل كل شيء، سواء حمل عودًا أو وقف أمام كاميرا. وحين يغني الشوق، لا يقدمه مثل حنين عابر، يعرضه بوصفه قوة داخلية تربك القلب وتخلخل يقينه. وكيف صار الغناء عنده أكثر من طرب، وأقرب إلى اعتراف طويل يخرج من أعماق الإنسان؟ لذلك تبدو عناوين مثل “مَرْسول الحب”، و”أنا مخاصمك”، و”الولف صعيب”، و “ما أنا إلا بشر” كأنها فصول من كتاب واحد عن هشاشة الإنسان حين يُحِبّ. فقد كان يعرف، بحدس الفنان الكبير، أن الأغنية ليست كلمات تُقال فوق لحن، بقدر ما هي بناء نفسي معقّد. كان يعرف كيف يحوّل الأغنية إلى مشهد، وكيف يجعل الصمت جزءًا من المعنى. السوق هنا يمكن أن يُقرأ بوصفه رمزا لعالم تُباع فيه المشاعر، وتُقاس فيه العلاقات بالمصلحة، ويصبح الإنسان سلعة وسط الزحام. لذلك تبدو بعض جُمله، على بساطتها، أقدر على البقاء من نصوص كثيرة غارقة في التَّعقيد. كيف استطاع أن يجعل الأغنية المغربية تخرج من حُدود الطرب إلى فضاء السُّؤال والتّأمل والاعْتراف؟ لذلك تظلّ تجربته قابلة للقراءة بوصفها نصا ثقافيا عن المغرب الحديث. أليْسَ سرّ خلُوده أنه لم يغنِّ للحظة عابرة، وإنما غنّى لذلك الجزء الخفيّ فينا؛ الجُزء الذي يشتاقُ، ويخافُ، ويحبّ، وينكسر، ثم ينهض على وَقْعِ أُغنية؟ ومَنْ غنّى كأنَّهُ يكتبُ تاريخَ القلب لم تكن بدايات الدكالي في الغناء مجرد خطوات أولى لفنان ناشئ، كانت إعلانًا عن ميلاد حسّ جديد داخل الأغنية المغربية. أما الغربة في عالمه الغنائي فهي شرخ داخلي، وإحساس بأن الإنسان قد يبتعد عن نفسه حتى وهو بين أهله.

وتلك قدرة نادرة لا يمتلكها إلا أصحاب الفن الصّادق؛ أولئك الذين يجعلون الإنسان يشعر بأن العمل كُتب له وحده، مع أنه موجَّه إلى الجميع. الدكالي كان يعرف كيف يبني المشهد داخل الأغنية؛ متى يرفع الصوت، متى يخفضه، متى يترك الصمت يعمل، ومتى يجعل النظرة أو النبرة تقول ما لا تقوله الكلمات. من بين عناوينه اللافتة “سوق البشرية”، هذا العنوان وحده يكفي لفهم جانب من جُرأته الفنية، عنوان بسيطٌ لكنه مُرْعبٌ. أكتب عنه وفاءً لفنانٍ لم يمرّ عبر الأذن فحسب، وإنما عبر القلب المغربي والعربي. كان يغلّف الفكرة باللَّحن، ويمرِّر التحليل عبر الطَّرب. أكتب عنه لأن بعض الفنانين لا يصنعون الأغنية وحدها، يصنعون جزءًا من وعينا العاطفي، ويمنحوننا لغةً جديدةً للحب والحنين والغربة. لا يؤدي الجملة دفعة واحدة، يتركها تنضج أمام المستمع. لم يكن من الفنانين الذين يستهلكون أنفسهم في الظهور الدائم، لذلك بقيت صورته مرتبطة بالهيبة أكثر من الاستهلاك. كان يأخذ العبارة اليومية، الصورة الشعبية، الموقف العابر، ثم يحوله إلى مادة فنية لها طعم وذاكرة. لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر. فالحب زينة في الحياة، وهو أيضا امتحان للكبرياء، وفضح للضعف، وعودة قاسية إلى حقيقة أن الإنسان مهما بدا قويًا يبقى محتاجًا إلى من يفهم صمته. في زمنٍ راهنت فيه بعض التجارب على الاستعراض، اختار هو أن يصنع أثره عبر التسلّل الهادئ إلى القلب. حتى اختياراته اللّغوية تكشف عن هذا الوعي العميق بالإنسان؛ فهو لم يكن يفتّش عن العبارة المزخرفة بقدر ما كان يبحث عن الكلمة المشبعة بصِدْق داخلي. وكيف بقيَ صوته، رغم تغيّر الأزمنة، قادرًا على أن يلامِسَ ما نُخفيه في أعماقنا؟ حتى حضوره الشخصي كان يحمل شيئًا من هذا الغموض الجميل. في أفلامه، كما في أغانيه، كان يبحث عن الإنسان في لحظة اختبار: إنسان يصارع قدره، أو حُبه، أو خوفه، أو مجتمعه. السينما منحته جسدًا بصريًا، كما منحته الأغنية جسدًا صوتيًا. لقد أدرك أن الكلمات، حين تصدر عن تجربة حقيقية، تقتربُ من الحِكمة أكثر مما تقتربُ من الزُّخرف الشعري. والجامع بينهما هو الحكاية. ولعل أكثر ما يميز مشروعه الفني أنه لم يكن خائفًا من الهدوء. وهل غنّى الحبّ وحده، أم غنّى الإنسان حين يضعفه الحبّ، وتكسره الغربة، ويوقظه الحنين؟ إنه لا يتحدث فقط عن العشق والنجوم والليل، وإنما يقترب من الإنسان كقيمة مُهددة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *