حين يتحول الغش إلى وطنٍ صغير..

بوعيدة يكتب: 
يبدو أننا ظلمنا وزير التربية الوطنية.. أما الذي يغش في التربية، فسيُخرّج جيلاً جديداً يشبهه، وتدور الدائرة كأننا محكومون بلعنةٍ تتوارث نفسها.. الوزير معذور، إلى حدٍّ ما.. خللٌ هناك، نستورد له حلاً جاهزاً.. والذي يغش في الطب، قد يترك مريضاً بين الحياة والموت لأنه لم يتعلم سوى كيف ينجح، لا كيف يفهم.. علينا أن نستورد ملايين الأجهزة.. كيف تسلّل الغش إلى البيوت، وجلس معنا إلى مائدة العشاء، حتى صار بعض الآباء والأمهات يلقنون أبناءهم الأجوبة عبر الهاتف، كأنهم يورثونهم وصفةً عائلية للنجاة.. خصوصاً أننا مقبلون على موسمٍ انتخابي، ذلك الفصل من السنة الذي تتكاثر فيه الكلمات الجميلة كما تتكاثر الحشرات بعد المطر، ويصبح الكذب فيه فناً خطابياً لا يُعاقَب عليه أحد.. كارثة تبدأ بورقة امتحان، وتنتهي بمواطنٍ يرى الوصولية شطارة، والانتهازية ذكاء، والسمسرة مهارة اجتماعية.. لقد قرر أن يحاصر الغشاشين بالأجهزة، بدل أن يسأل السؤال الأكثر إيلاماً:
كيف تحوّل الغش، في هذا البلد، من سلوكٍ نخجل منه.. ما أقسى أن يتحول الخوف من الفضيحة إلى بديلٍ عن الضمير.. فكيف نطلب من تلميذٍ صغير أن يكون نزيهاً، بينما يرى الكبار يصلون بالغش إلى كل شيء؟ مجتمعٌ يغش في البيع والشراء، في الوعود، في المشاعر، في السياسة، وحتى في الحب.. فقرر أن يشتري آلاتٍ تكشف المعادن، ناسياً أن أخطر ما في الغش ليس الهاتف، بل الفكرة التي تسكن الرأس.. الرجل الذي جاء إلى التعليم كما يدخل غريبٌ بيتاً امتلأت جدرانه بالتشققات، ثم قرر أن يعلّق على الباب قفلاً جديداً ويعتقد أن البيت قد صار آمناً..

خرج علينا اليوم، في البرلمان، بوصفته السحرية للقضاء على الغش.. شباب يحملون الأجوبة كما يحمل باعة الورد باقاتهم، يعرضون النجاح بالتقسيط، ويوزعون الوهم على المتعبين من الدراسة، كأن المعرفة لم تعد طريقاً، بل صفقةً عابرة.. إنه ابنٌ شرعي لمجتمعٍ كامل يتصالح مع الكذب أكثر مما يتصالح مع الحقيقة.. والأجمل من ذلك كله:
أن نعلّق لكل سياسي جهازاً صغيراً فوق عنقه، يضيء كلما وعد الناس بما لا ينوي فعله.. أن يغش طالبٌ ليصبح طبيباً، أو محامياً، أو أستاذاً، فذلك لم يعد حادثاً معزولاً، بل صورةً مصغرة عن خرابٍ أكبر.. إلى ثقافةٍ نتعايش معها…
د.عبد الرحيم بوعيدة نحن لا نعيش أزمة امتحانات.. لهذا، أعتقد أن اقتراح الوزير يجب ألا يتوقف عند المدارس.. بينما التربية ليست شركة، والتعليم ليس مخزناً تُرمم أبوابه بكاميرات المراقبة.. أجهزة تكشف الغش في الأسواق، في الإدارات، في الصفقات، في المطاعم، في نشرات الأخبار، وفي التصريحات السياسية.. الأمهات اللواتي كنّ يوصين أبناءهن قديماً بالصدق، أصبحن اليوم يوصينهم بألا يُمسك بهم أحد.. ذلك الطالب الذي يغش اليوم في امتحان القانون، سيقنعك غداً أن العدالة وجهة نظر.. حين تسقط المدرسة، يسقط معها شيء خفيّ من روح الوطن.. فهو رجل أعمال.. ينظر إلى المدرسة بعين التاجر: مشكلةٌ هنا، نشتري لها جهازاً..

لكن الوزير، المسكين ربما، لم يرَ كل هذا.. لأن الغش، في النهاية، ليس سلوكاً معزولاً.. لم يسأل أحد لماذا صار الغش، في هذا البلد، أقلَّ إثارةً للعار من الفشل.. ألم أقل لكم إن الوزير جاء بالوصفة السهلة؟ نحن نعيش أزمة معنى.. ألفا جهازٍ متطور لكشف الغشاشين.. نسي الرجل أن المدرسة لا تسقط وحدها.. رأى فقط التلميذ وهو يخبئ هاتفاً في كمِّ قميصه.. يا لبساطة الحلول حين يعجز الفكر عن ملامسة الجرح.. يسقط احترام الجهد، وهيبة المعرفة، وإيمان الناس بأن التعب يمكن أن يقود إلى مكانٍ نظيف.. وفي الخارج، قرب المدارس والجامعات، تنمو مجموعات صغيرة للغش.. لماذا صار التلميذ يخاف من الرسوب أكثر مما يخاف من خسارة نفسه.. هنا، لم يعد الأمر يثير الدهشة..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *