قافلة “صمود 2” الإغاثية تخلق جدلا ليبيا حول السيادة والأمن وحدود العبور

أثار دخول القافلة الإغاثية البرية “صمود 2″، التي تضم نشطاء مغاربة، المتوجهة إلى معبر رفح الذي يربط مصر بقطاع غزة الفلسطيني، إلى ليبيا، جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية الليبية، خاصة بعد انتشار مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر مرافقة مجموعات مسلحة في مدينة “الزاوية” في الغرب القافلة على الطريق الساحلية في اتجاه مدينة “سرت” في الشرق، التي تخضع لسيطرة الحكومة الليبية المكلفة من طرف البرلمان، استعدادا للتوجه إلى معبر “السلوم” بين ليبيا ومصر. منافذ جوية أكدت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في الحكومة الليبية المكلفة من طرف البرلمان، في بيان لها، أنه “في إطار التواصل والتنسيق مع السلطات المصرية، أفادت الجهات المختصة في جمهورية مصر العربية بترحيبها بأي جهد إنساني يسهم في التخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني، مع التأكيد على الضوابط المنظمة للدخول عبر المنافذ البرية التي تقتصر على حاملي الجنسية الليبية فقط”. وأكدت الهيئة ذاتها أن “هذه المبادرة الإنسانية انطلقت منذ بدايتها من منطلق أخوي وإنساني خالص، هدفه الإسهام في التخفيف من المعاناة الإنسانية المتفاقمة التي يعيشها أهلنا في قطاع غزة، بعيدا عن أي اعتبارات سياسية أو حسابات أخرى، وفي إطار احترام سيادة الدول الوطنية والتقيد الكامل بالإجراءات القانونية والتنظيمية المعمول بها”، مؤكدة “التزامها الكامل بالتنسيق مع الجهات الرسمية المختصة في الدولة الليبية الشقيقة، وفي مقدمتها جمعية الهلال الأحمر الليبي، بما يضمن انسيابية العبور، وسلامة المشاركين، وحسن إدارة الجهد الإغاثي وفق الأطر الرسمية المعتمدة، وبما يعكس روح التعاون والتكامل بين مختلف المؤسسات الإنسانية والوطنية”. وتابع البيان: “وبحسب ما صدر عن السلطات المحلية الليبية، فإن جمعية الهلال الأحمر الليبي على استعداد لاستلام هذه المواد الإغاثية والعمل على تسليمها بالتنسيق والتشاور مع جمعية الهلال الأحمر المصري وفق الأطر القانونية والإنسانية المعمول بها، بما يضمن إيصال المساعدات إلى مستحقيها بقطاع غزة بشكل آمن ومنظم، وبالتنسيق مع الجهات المختصة في البلدين، مع الحفاظ على سلامة المتطوعين المشاركين في عمليات الاستجابة، وتجنب أي مخاطر قد تنتج عن عدم توفر كافة شروط الاستجابة العابرة للحدود”. كما أثار إصرار القافلة، التي تقدم نفسها كحراك شعبي لكسر الحصار الإسرائيلي على غزة وإيصال المساعدات الإنسانية الضرورية إلى أهالي القطاع، تساؤلات في الداخل الليبي حول سياق هذا التحرك ومساره البري المقترح، وحول قدرة مثل هذه المبادرات على تحقيق أهدافها دون التصادم مع التعقيدات الجيو-سياسية الخانقة التي تحكم المعابر والحدود الدولية. واتهم المحلل السياسي الليبي القائمين على القافلة بممارسة “الاسترزاق السياسي والمتاجرة بآلام الشعب الفلسطيني”، داعيا إلى “تحويل الدعم الشعبي إلى مسارات رسمية وشرعية عبر الحكومات والمؤسسات المعترف بها، وليس عبر مبادرات فردية مشبوهة، حيث أن الدفاع عن فلسطين يتطلب تخطيطا استراتيجيا وعملا مؤسسيا جادا، وليس ‘دغدغة للعواطف’ أو تحركات تفتقر للتنسيق الأمني مع دول الجوار مثل مصر”. مسار رسمي من جهته، اعتبر المحلل السياسي الليبي عبد الله الديباني، في تصريح إعلامي، أن “القضية الفلسطينية تمثل جزءا أصيلا من الموروث الثقافي والاجتماعي والأسري لكل الليبيين.

وزادت: “وانطلاقا من الحرص الصادق على إنجاح هذه المهمة وتذليل ما قد يعترضها من صعوبات إجرائية أو لوجستية، فإن هيئة الصمود المغاربي تبدي استعدادها الكامل لإعادة النظر في الأعداد المعتمدة، وتقليصها إلى الحد الذي تراه الجهات المختصة مناسبا، بما يحقق التوازن بين مقتضيات العمل الإنساني ومتطلبات التنظيم والسيادة واحترام الإجراءات الرسمية، وبما يفتح المجال أمام الانتقال من مرحلة التنسيق والترتيبات الإدارية إلى خطوة عملية متقدمة نحو التنفيذ الميداني الفعلي للقافلة، مع الحفاظ على جوهر المبادرة المتمثل في ضمان مرافقة إنسانية مسؤولة للمساعدات”. تمسك بالمرافقة من جهتها، نشرت “هيئة الصمود المغاربي” بيانا على حسابها على موقع “فيسبوك”، قالت فيه إنها “تتابع بصفتها الجهة المشرفة على تنظيم القافلة الإنسانية الدولية المتجهة إلى قطاع غزة باهتمام بالغ البيان الصادر عن وزارة الخارجية والتعاون الدولي بالحكومة الليبية، وكذا البيان الصادر عن جمعية الهلال الأحمر المصري بشأن الترتيبات المرتبطة بالقافلة، وتُعرب عن بالغ تقديرها للموقف الليبي الرسمي والشعبي الداعم للشعب الفلسطيني، ولما حمله البيانان من تأكيد واضح على مركزية القضية الفلسطينية في وجدان الدولة الليبية ومؤسساتها الوطنية”. وفي المقابل، تتمسك الدول بحقها السيادي المطلق في ممارسة السلطة التقديرية؛ لحماية أمنها القومي، وضبط حدودها، ومنع عبور آلاف المواطنين الأجانب عبر أراضٍ تعاني أصلا من هشاشة أمنية، لما قد يسببه ذلك من تبعات أمنية وقانونية دولية تقع مسؤوليتها على عاتق الدولة نفسها”. وأوضحت “هيئة الصمود المغاربي” أن “المشاركين في القافلة يمثلون طيفا واسعا من الكفاءات الطبية والهندسية والحقوقية والإعلامية واللوجستية”، وأن “العدد المعتمد جرى ضبطه بعناية بما يحقق أعلى درجات الانضباط التنظيمي، ويضمن احترام الضوابط الخاصة بالعبور والتنقل، بعيدا عن أي ممارسات قد تربك المشهد الإنساني أو تُخرج القافلة عن أهدافها الأساسية”، مسجلة “تمسك الوفود المشاركة بحقها الإنساني والأخلاقي في مرافقة المساعدات إلى غاية وصولها إلى أهلنا في قطاع غزة، باعتبار أن الحضور الميداني للكوادر الطبية والحقوقية والإغاثية ليس مجرد مرافقة شكلية، بل يمثل جزءا أصيلا من رسالة القافلة الإنسانية، ويُسهم في ضمان فعالية التدخل الإغاثي، وتعزيز الشفافية”. وسجلت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في الحكومة الليبية المكلفة من طرف البرلمان أنها وفقا لهذه الترتيبات والإجراءات، “لن تتمكن من السماح بمرور أي أشخاص غير مستوفين للضوابط المشار إليها ضمن نطاق الحكومة الليبية، مع استعدادها الكامل للتنسيق مع الهيئات الإنسانية والإغاثية الليبية المتمثلة في الهلال الأحمر الليبي لاستلام المساعدات الإنسانية والعمل على إيصالها إلى وجهتها باسم القافلة”. وأضاف المتحدث ذاته أن “أسلوب ‘قافلة صمود 2’ لا يرتقي لمستوى وجلال القضية الفلسطينية، بل استعراض معنوي يغلب عليه استخدام ‘الأناشيد والمزامير والطبول’، وهو ما يعد تقزيما لقضية بحجم فلسطين، كما أن هناك تباينات أيديولوجية مريبة بين أفراد القافلة”، محذرا من “تغلغل عناصر تتبنى فكرا متطرفا، ومنتمين لتنظيمات مثل ‘الإخوان المسلمين’ وجماعات أخرى مصنفة دوليا ككيانات متطرفة، مما يثير الشكوك حول الأهداف الحقيقية لهذا التحرك”. في سياق متصل، رحب بيان لجمعية الهلال الأحمر الليبي ببنغازي بـ”المساعي التي تهدف إلى تقديم المساعدة للشعب الفلسطيني من أجل التخفيف من المعاناة الإنسانية، خاصة التي يعيشها السكان في قطاع غزة”، معربة عن تقديرها لكافة “الجهود الداعمة للعمل الإنساني، مع الأخذ بعين الاعتبار المعايير وقواعد الاستجابة الإنسانية التي تتوافق مع المبادئ الأساسية للحركة الدولية لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وبما يتوافق مع دورنا المساعد للسلطات المحلية والصلاحيات الممنوحة لنا بموجب القانون الخاص بالهلال الأحمر الليبي، وخاصة فيما يتعلق بعمليات الإغاثة العابرة للحدود، والتي تتطلب التنسيق والحصول على موافقة السلطات المختصة بالدولة الليبية، وكذلك موافقة السلطات بجمهورية مصر العربية”.

وأضافت: “وإذ تؤكد الوزارة احترامها الكامل للإجراءات السيادية الخاصة بجمهورية مصر العربية باعتبارها شأنا يتعلق بأمنها وتنظيمها الداخلي، فإنها تدعو الراغبين في الوصول إلى الأراضي المصرية إلى الالتزام بالإجراءات المعمول بها، من خلال استخدام المنافذ الجوية واستيفاء التأشيرات اللازمة من الجهات المختصة بدولهم”. تعقيدات جيو-سياسية في تعليقه على الموضوع، قال الحقوقي الليبي عبد المنعم منصور الحر، في منشور له، إن “تحرك القافلة الشعبية التونسية الجزائرية (المعروفة بقافلة الصمود) يمثل محاولة رمزية وعملية لكسر الجمود الإقليمي تجاه حصار قطاع غزة، إلا أن هذا التحرك اصطدم بشكل مباشر بالتعقيدات الجيو-سياسية للملف الليبي والانقسامات الإقليمية الحادة”. وأوضح الحقوقي ذاته أن “مصر كدولة ذات سيادة من حقها ممارسة سلطتها التقديرية على إقليمها، ترفض قطعيا وصول قوافل برية شعبية ضخمة وغير منسقة رسميا إلى حدودها (معبر السلوم)؛ نظرا للتعقيدات الأمنية الفائقة على الحدود وفي عمق مصر (سيناء)، وحرصا منها على عدم تحويل حدودها إلى ساحة لاحتكاكات سياسية أو أمنية غير محسوبة مع أطراف دولية”، مسجلا أن “الحراك الشعبي يسعى إلى تجاوز الحدود الرسمية التي يراها ‘عاجزة أو متواطئة’ لإنقاذ المدنيين، معتبرا كسر الحصار واجبا أخلاقيا يعلو فوق الإجراءات البيروقراطية. وأضاف أن “القافلة نجحت في عبور معبر رأس جدير الحدودي والتحرك عبر الطريق الساحلي بالمنطقة الغربية الليبية بمرونة نسبية، ويعود ذلك أساسا إلى التوافق الشعبي والسلطوي، وغياب المركزية الأمنية الموحدة”، مبرزا أن “توقف القافلة واضطرارها للعودة سابقا بعد منعها من التقدم نحو الشرق الليبي يعكس توازنات القوى الحقيقية على الأرض، فالإقليم الشرقي يخضع لحسابات أمنية ودبلوماسية صارمة لا تترك مجالا للعواطف الشعبية”. وتابع الديباني بأن “سيادة الدولة الليبية وقوانينها تسمو فوق أي اعتبارات عاطفية، فمحاولة القافلة التنقل بين الدول دون الخضوع للإجراءات القانونية والاحترازات الطبية والتدقيق في الثبوتيات يعد زعزعة للأمن القومي”، موردا أن “الدولة الليبية لن تسمح بأن تكون ممرا مشاعا لمن يرفض الكشف عن هويته أو غايته، دون أن ننسى أن بعض المعطيات تؤكد أن نحو 1300 شخص من المشاركين في القافلة الأولى لم يعودوا إلى بلدانهم، مما يطرح تساؤلات أمنية خطيرة حول أماكن تواجدهم الحالية”. فمنذ عقود، نشأت الأجيال الليبية على عقيدة السعي نحو تحرير فلسطين واستقلالها، وهو موقف وجداني ثابت يتجاوز المتغيرات السياسية”، مشيرا إلى أن “ليبيا لم تكتف بالشعارات، بل قدمت تضحيات جسيمة ومساعدات ملموسة منذ العهد الملكي وصولا إلى الحقب اللاحقة، بما في ذلك الدعم المالي واللوجستي والطبي الذي قُدم لقطاع غزة إبان فترة الراحل ياسر عرفات”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *