يتعرض العقل، اليوم، للطعن في جدارته وفي الكثير من وظائفه؛ لأنه تم تعويضه، بالتدريج، من لدن العقلنة الأداتية التي اختزلته في معالجات ميكانيكية أو تركيبات خوارزمية للمعلومة؛ ولأن التقنية بصدد فرض ذاتها بوصفها اللغة الرئيسية للعقل، كما يقول المفكر الكاميروني آشيل مبيمبي فإن “العقل الأداتي أو العقل كما غيَّر هيئته داخل التقنية يتم استغلاله بكيفية متكررة وكأنه سلاح”؛ بله سلاح بلغ درجات غير مسبوقة من الشراسة مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، كما تستعملها إسرائيل وأمريكا في حروبهما في الجغرافيا العربية. ليست هذه الصور معزولة طالما أن “سياسات الموت” التي تتبعها دولة الاحتلال بشكل مبدئي ومنهجي لا يتردد مسؤولوها السياسيون في التعبير عنها، كان أبرزها مشاهد الاحتفال داخل الكنيست الإسرائيلي بإقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يوم 30 مارس 2026 – وهو بالمناسبة تاريخ رمزي يحتفل فيه الفلسطينيون بيوم الأرض- حيث أتى وزير الأمن اليميني المتطرف إيتمار بن غفير إلى داخل المبنى بقنينة شامبانيا تقاسم مع نواب الائتلاف الاستيطاني نخب الفرح بتبني هذا القانون. لقد نجم عن هذه المأساة ما أسماه ميشرا “يأسا أخلاقيا”، وانهيارا فكريا حيث سقطت في امتحان الضمير وجوه كبيرة في عالم الفكر والفلسفة؛ وفي طليعتهم الفيلسوف يورغن هابرماس الذي لم يحركه، هو ومن وقع معه “بيان التضامن” مع إسرائيل، أدنى شعور أخلاقي يجعله ينظر إلى ما تقترفه إسرائيل من انتهاكات لإنسانية الإنسان، وهو المُنظر الكبير للحرية والكرامة، و”الحقيقة الإجماعية”، ورجاحة أفضل حُجة في المجال العام، وتجديد مفهوم المواطنة والديمقراطية. لقد استعملت كل طرق الإبادة؛ بحرمان سكان غزة من الطعام والماء والدواء، وبالقصف العشوائي المُدمر من السماء والأرض والبحر، وإطلاق الحرية للقناصة الذين يطلقون النار على رؤوس الأطفال، فضلا عن الخدمات والعمليات التي أنجزت بالاعتماد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي. ثم تساءل بمرارة: “لماذا استبْعد الغرب الفلسطينيين، وبشكل قاسٍ، من تحالف الواجب الإنساني والمسؤولية؟”. وقد نشر الجنود مئات الفيديوهات وهم يبتهجون بقصف حي بأكمله ويصورون عملية تدميره، ويتلذذون بقتل سكانه والقضاء عليهم. أما في غزة فقد كانت المشاهد تتجاوز حكاية غيرنيكا، حيث تم تصوير ما لا يمكن تخيُّله من فظاعات اقترفتها سياسات الموت الإسرائيلية؛ مثل صورة الأب وهو يحمل بين ذراعيه جثة طفلته مقطوعة الرأس، وصُور الضحايا والجرحى والأطفال اليتامى والمشردين وأجساد تحت الأنقاض، وهي مشاهد ولَّدت صدمة وغضبا هائلا، وإحساسا جماعيا بالحِداد لمن لا يزال يمتلك ذرة إحساس إنساني. وليس يقتصر الأمر على ما جرى في غزة وعموم فلسطين ولبنان في هذا المستوى؛ ذلك أن جرائم سابقة اقترفتها إسرائيل دفعت عددا من المفكرين والمثقفين اليهود إلى تغيير قناعاتهم بخصوص “إسرائيل”. واعتبر أن القيادة الإسرائيلية، التي يعدّها الأكثر تطرفا في التاريخ، لم تتردد بعد ما جرى في السابع من أكتوبر في استغلال الشعور السائد بالانتهاك والخسارة والرعب لكي تنجز أفظع سياسات الموت شهدها العالم في هذه الألفية، لكي تنفذ ما اعتبره اليهودي المتخصص في الهولوكوست عومر باتوف “سعي إسرائيل منذ البداية إلى جعل قطاع غزة بأكمله غير صالح للسكن والعيش، وإضعاف سكانه إلى درجة إما أن تتم إبادتهم أو يبذلون كل ما وسعهم للفرار من المنطقة”. ولم يخف بانكاج ميشرا اشمئزازه من تصرفات الجنود الإسرائيليين التي أدرجها ضمن ما سماه “شرًّا طفوليًا”، وهم يرقصون بملابس نساء فلسطينيات مقتولات أو نازحات، ويُصورون ذلك ويبثونه على “تيك توك”. لقد تحولت فلسطين إلى قضية فكرية تعكس عمق أزمة الأخلاق العالمية، وإلى سؤال مؤرق للضمير الإنساني.
وينطلق بانكاج ميشرا في فهمه لِما جرى في غزة من قاعدة مفادها أنه كلما “بدأت عملية نزع صفة الإنسانية عن الآخر تبدأ معها مخططات تدميره”. وذلك ما يفترض انتباها فكريا مناسبا للرهانات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي باعتباره تجليا لمنعطف فكري ووجودي وأنثروبولوجي غير مسبوق في مسار الاكتشافات التقنية التي أنجزها “العقل الغربي” وما يقدمه من خدمات نوعية جديدة للدول والسلط المختلفة في ممارستها لسياسات الموت. وفي السياق حاولت دولة الاحتلال إخفاء جرائمها بكل الطرق؛ بما فيها قتل الصحافيين، والمؤثرين الذين استعملوا وسائط التواصل الاجتماعي، وتعبئة آلات التضليل التي توجهها في أوروبا وأمريكا التي تحتفظ فيها بهيمنة إعلامية وثقافية ووجدانية، تنحت من خلالها سرديات مضادة للوقائع والمجازر داخل غرف تحرير كبريات الصحف وتلفزيونات ومواقع التحليل والإعلام في أوروبا وأمريكا. الشعور نفسه بالاستنكار والغضب سبق أن عبر عنه عالم الاجتماع الفرنسي ديديي فاسان بشجاعة كبيرة داخل سياق إعلامي وثقافي وسياسي تسيطر عليه الدعاية الإسرائيلية، وتمارس فيه الدولة الفرنسية ماكارثية فاضحة ضد كل من يتجرأ على نقد إسرائيل أو يدافع عن حقوق الفلسطينيين، حين اعتبر أن “قبول سحق غزة خلق فجوة هائلة في النظام الأخلاقي للعالم… إن الإذعان لتدمير غزة ولذبح سكانها، إضافة إلى الاضطهاد الذي يعاني منه سكان الضفة الغربية، سيترك آثارا لن تمحى في ذاكرة المجتمعات التي يجب أن تُحاسب عليها”(Une étrange défaite. والحال أن دولة الاحتلال، سواء بالقوانين أو بغيرها، فهي لا تحترم آدمية الفلسطيني في التعامل مع الأسرى والمعتقلين والأطفال الذين يبقون عشرات السنين من دون محاكمات ويتعرضون لأبشع أنواع التعذيب والإهانة ويعدون بالآلاف. في حين أن الشباب في الجامعات والشوارع في أمريكا وأوروبا لم يكونوا مُلزمين بمعرفة التاريخ المعقد والمأساوي للقضية الفلسطينية؛ ولكنهم يعرفون أنه ليس من المقبول لا سياسيا ولا أخلاقيا قتل الأطفال والنساء والشيوخ وتدمير البنايات على رؤوس أصحابها، والاستلذاذ بمشاهد القتل والخراب. لقد قاموا بتجنب استعمال صيغ من قبيل: “مخيمات اللاجئين”، و”الفلسطينيين”، و”الأراضي المحتلة”، و”التطهير العرقي”، و”الإبادة”… بل وفتحوا معركة مكشوفة مع القانون الدولي بالهجوم على قرارات المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية التي أدانت بنيامين نتانياهو ووزير حربيته يوآف غالان باعتبارهما “مجرمي حرب”. في كتاب للمفكر الهندي الإنجليزي بانكاج ميشرا Pinkaj Mishra بعنوان “العالم ما بعد غزة، الشر الذي لا يرْحَم”، استهله بإشارة إلى قولة للشاعر البولاندي تشيسلاف ميلوش، وهو اليهودي الذي نجا من إبادة اليهود في أوشفيتز، وبعد ما شاهده من دمار قامت به الطائرات الأمريكية لقتل مئات الآلاف من الفيتناميين، شبَّه ما قامت به من فظاعات بجرائم هتلر وستالين، وعبَّر عن شعوره بتواطؤ مُخجل مع ما مارسته هذه الحرب من قساوة وتوحش، وقال: “حين تشعر بالشفقة وفي الوقت نفسه لا تستطيع فعل شيء، فإنك تكون في حالة من الغضب العاجز”. لذلك، اعتبر بانكاج ميشرا أن ثمة شعورا عنيفا بالخيانة على الصعيد العالمي لِما يتعرض له الفلسطينيون من إبادة. غير أن باومان بعد ما شاهده من سياسات البطش والقتل والعنصرية والإهانة التي تقوم بها دولة الاحتلال، وما خلق لديه من إحساس تراجيدي بسيطرة ما أسماه “المزاج العدواني”، و”التآكل الأخلاقي” انكشفت له أساطير الرواية الصهيونية، وقرر الفرار بعيدا عنها نظرا لخيانتها للبعد الإنساني وتهديدها لمنظومة القيم الأخلاقية العالمية. إذ كل ما يُعايِنه المرء، حسب ميشرا، هو أن الدولة المحتلة والمُعتدية قامت بانتهاكات أخلاقية وقانونية وإنسانية جسيمة برهنت، وبشكل مباشر، عن أقصى تعبيرات الفظاعة والقتل.
لقد نجم عن ذلك ما يقترب من الإحساس بالإذلال الناجم عن العجز المادي والسياسي وعدم القدرة على فعل أي شيء؛ ففي نهاية عام 2024 لاحظ ميشرا أن الكثيرين ممن هم بعيدين عن المذبحة شعروا بأنهم جرفوا بسبب مشهد واسع من الدمار والقتل والبؤس والحرمان والإرهاق. Sur le consentement à l’écrasement de Gaza, 2024) ولعل الجيل الجديد من العنف، كما يساهم فيه الذكاء الاصطناعي بواسطة أنظمة مخصصة للترصد والاستهداف مثل “نظام لافاندر”، و”أين أبي” حيث تعبأت شركات السليكون فالي من أجل مساعدة جيش الاحتلال في تدبير سياسات القتل بفلسطين ولبنان، يعبر هذا الجيل من العنف عن طور جديد من أطوار المشروع الثقافي الغربي الكولونيالي، وعن مرحلة مغايرة من تطور الرأسمالية التي لم تعد تخفي تمظهراتها الافتراسية وتنكرها الصريح للمبادئ التي طالما ادعت نُخبَها الأخذ بها والدفاع عنها ونشرها في العالم، ومنها الحرية والمساواة والعدالة. وفضلا عن الإعلاميين، تعبأ من أجل التغطية عن الجرائم ساسة ومواقع مؤثرة ورجال أعمال ومنصات “وادي السيليكون” (فيسبوك، إكس، يوتيوب…) للتعتيم عن حقيقة الإبادة المقترَفة في غزة وفي فلسطين. فالفيلسوف زيغمونت باومان Zigmunt Bauman قضى ثلاث سنوات في سبعينيات القرن الماضي في الأراضي المحتلة من منطلق تقاسم ثقل الذنب الأخلاقي اتجاه معاناة اليهود من المحرقة النازية، وتصوير إسرائيل من لدن الغرب بوصفها “وجهًا أخلاقيا ساميًا” يقع فوق المساءلة والمحاسبة طالما لا يمكن تصورها طرفا معتديًا. استحضر بانكاج ميشرا هذه القولة لوصف ما جرى في غزة من إبادة. وانتصبت في هذا الوقت لوحة بيكاسو الشهيرة “غيرنيكا”، التي صوَّرت أشخاصا يصرخون، وخيولا تصْهل وهي تتلقى القصف من السماء داخل دمار واسع. ولا يمكن التيهان في ما يبدو عليه خلافا حول كيفية تفسير البطش الذي مارسته إسرائيل، هل هو “دفاع مشروع عن النفس” أم حرب مُبَررة، أو تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية؟ هكذا قام قادة الاحتلال مع “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023، بتعبئة كل ما تختزنه المُدونة الصهيونية من احتقار وحِقد على الفلسطينيين معتبرينهم “حيوانات بشرية”، حيث قرروا في اليوم الموالي قطع الماء والغذاء والدواء وتجريف كل مقومات الحياة وتدمير كل المنشآت على رؤوس الأطفال والنساء والمسنين، وكل ما يتحرك داخل غزة للانتقام مما فعلته “حماس”، ولا يزال الغزويون يعانون من الحصار والتجويع والتهديد والقتل اليومي. كانت مشهدية القتل مثيرة للعقل ومرعبة للوجدان، بالنسبة لبانكاج ميشرا، لقد كانت نداءات سكان غزة سواء من المواطنين العاديين أو من الكتّاب والصحافيين والفنانين، تدعو العالم إلى الانتباه إلى ما يتعرضون له من بطش وقتل؛ بل إن إسرائيل كانت تلاحق نداءاتهم وتراقبها وتحدد أماكن إرسالها لقصف مواقعهم وإفناء من قام ببث الرسائل وهدم البنايات القريبة منها على رؤوس جميع من يحتمي بها، بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي. يشير بانكاج إلى أن السجال حول طبيعة ما جرى على أرض غزة يتضمن درجة كبيرة من إرادة التضليل وإخفاء حقيقة الجريمة العظمى.
