المغرب يتوسط أبرز المستفيدين من تحول السلاسل العالمية لإنتاج السيارات

في تحول يعيد رسم خريطة صناعة السيارات العالمية، لم تعد الصين تتربع على عرش الدول الأقل تكلفة من حيث العمالة؛ فقد كشفت دراسة حديثة أن دولا مثل المغرب والمكسيك ورومانيا أصبحت تسجل تكاليف عمالة أقل من نظيرتها الصينية. وصنّف التقرير شركات صناعة السيارات إلى أربع فئات أساسية بناء على تكلفة العمالة لكل سيارة؛ أولاها الشركات الأوروبية الفاخرة التي تتصدر القائمة بأعلى التكاليف، حيث يبلغ متوسط تكلفة العمالة للسيارة الواحدة 2232 دولارا (تضم علامات مثل مرسيدس، بي إم دبليو، وأودي). بالإضافة إلى ذلك، دفعت اضطرابات سلاسل التوريد (كظروف جائحة كورونا) الشركات إلى تبني استراتيجيات “تقريب الإنتاج”؛ وهو ما يفسر التوجه المتزايد نحو دول قريبة جغرافيا وتنافسية اقتصاديا مثل المغرب لتأمين استقرار الإمدادات لأوروبا والأسواق العالمية. وأمام هذه الضغوط، تجد الشركات نفسها مجبرة على موازنة الإنتاج وإدارة التكاليف بصرامة للبقاء في دائرة المنافسة. في المقابل، نصحت الدراسة الشركات الصينية بالتركيز على جودة المركبات لبناء قيمة لعلاماتها التجارية في الأسواق الدولية. وتصل هذه التكلفة في ألمانيا إلى 3307 دولارات بسبب القوانين الصارمة وارتفاع الأجور. وتعاني هذه الشركات (مثل تيسلا والشركات الناشئة) من ارتفاع التكلفة بسبب انخفاض حجم الإنتاج واعتمادها السابق على الدعم الحكومي الذي بدأ يتقلص.

ثم الشركات المصنعة للسيارات السائدة، ويبلغ المتوسط 880 دولارا للمركبة. وأخيرا الشركات الصينية، إذ يبلغ متوسط تكلفة العمالة لديها 585 دولارا للمركبة، مستفيدة من الأجور المنخفضة (سابقا) والكفاءة العالية وسلاسل التوريد الفعالة. وتتميز الشركات اليابانية في هذه الفئة بتكلفة منخفضة تصل إلى 769 دولارا، مقارنة بالولايات المتحدة التي قفزت فيها التكلفة إلى 1341 دولارا بسبب المكاسب التاريخية الأخيرة للنقابات العمالية. وطالبت شركات السيارات الكهربائية بتوسيع نطاق عملياتها لتعويض غياب الدعم الحكومي. تأتي أهمية هذه الدراسة في وقت يمر فيه قطاع السيارات العالمي بتحديات معقدة؛ أبرزها الرسوم الجمركية في الولايات المتحدة، والمنافسة التسويقية الشرسة من قبل صانعي السيارات الصينيين، فضلا عن التباطؤ الملحوظ في مبيعات السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات (BEV). وتكتسي هذه الأرقام أهمية قصوى؛ بالنظر إلى أن تكلفة العمالة تشكل ما بين 65 في المائة إلى 70 في المائة من إجمالي “تكاليف التحويل” في الصناعة، والتي تشمل أيضا النفقات غير المباشرة والطاقة والاستهلاك. وخلصت دراسة “أوليفر وايمان” إلى مجموعة من التوصيات، حيث نصحت الشركات الأوروبية الفاخرة بإعادة الهيكلة لخفض تكلفة العمالة إلى حدود 1500 دولار.

وحسب الدراسة، عوامل أخرى تعيد تشكيل القطاع إلى جانب أجور العمال، إذ أشار التقرير إلى أن تكاليف الطاقة وسلاسل التوريد تلعب دورا حاسما؛ فبينما تعاني الشركات الألمانية من ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي، تستفيد الشركات الفرنسية من أسعار الطاقة المنخفضة بفضل اعتمادها على الطاقة النووية. وعلى الرغم من هذا الرقم المنخفض، فإن دولا كالمغرب أصبحت تقدم ميزة تنافسية أفضل من الصين على مستوى التكلفة الإجمالية. جاءت هذه المعطيات ضمن دراسة تحليلية شاملة أصدرتها مؤسسة “أوليفر وايمان”، وشملت أكثر من 250 مصنعا لتجميع السيارات حول العالم. ثم مصنعو السيارات الكهربائية فقط، إذ يبلغ متوسط التكلفة لديهم 1660 دولارا للمركبة، حسب التقرير. وأكدت الدراسة أن الفهم الدقيق لـ”تكلفة العمالة لكل سيارة” لم يعد مجرد تفصيل مالي؛ بل هو بوصلة البقاء والنمو في سوق سيارات عالمي سريع التقلب، وهي المعادلة التي يبدو أن المغرب قد نجح في فك شفرتها ليصبح رقما صعبا في سلسلة القيمة العالمية. هذا التفوق التنافسي الملحوظ للمغرب دفع شركات صناعة السيارات الفرنسية إلى نقل جزء كبير ومهم من عملياتها الإنتاجية إلى المملكة، للاستفادة من انخفاض تكاليف العمالة والبيئة الاستثمارية الجاذبة؛ مما يعزز مكانة المغرب كقاعدة استراتيجية عالمية لصناعة السيارات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *