من المشاهد السريالية التي تؤثث يوميات المريض المغربي، ذلك التباين الصارخ في “البروفايل” السلوكي للمواطن داخل الفضاءات الصحية. أم أن الأمر يتعلق بطبيعة العقد الاجتماعي والمالي الذي يربط الطرفين؟ والمفارقة الساخرة هنا، أن هذا “الزحام” وهذا “التوتر” قد يصطدمان في أحايين كثيرة بنفس الطبيب الفاحص، الذي يزاوج بين العمل في “سبيطار المخزن” صباحا و”كلينيك الفلوس” مساء، في مشهد يختزل إشكالية أعمق لسنا بصدد تفكيكها الآن. هناك، في “سبيطار الدولة”، يتحول الكائن الهادئ إلى بركان ثائر، والسكينة إلى مشادات كلامية لا تنتهي مع أعوان الحراسة “السيكوريتي” أو الأطقم الطبية والتمريضية. في “الكلينيك” أو العيادة الخاصة يضع المريض “رجل على رجل” وهو مطمئن بأن دوره آتٍ لا محالة، أما في القطاع العام، فما تزال تمثلات “المحسوبية” وعبارة “الباك صاحبي” تسيطر على الأذهان وتوجه السلوك وهذا حكم قيمة ونظرة سائدة ترسخت بفعل الإعلام والكوميديا والسكيتشات. ففي القطاع الخاص، يدفع المريض مقابلا ماديا محترما “كاش” يفوق بكثير الرسوم الرمزية للقطاع العام (قد يصل إلى خمس أضعاف. يعتقد الكثيرون، عن تجربة أو عن توجس، أن “الانتظار” في المستشفى العمومي هو مرادف لـ “النسيان” أو “التهميش”، وأن القفز على الدور ” و السبيل الوحيد لضمان الفحص قبل نفاد صبر الطبيب أو نهاية الدوام.
ففي المصحات الخاصة، تفرض “نضارة البشرة” و”التبوكيص المستخدمين” وأزياء العاملين المهنية ونوعية الزبناء نوعا من “الضبط الاجتماعي” غير المرئي فيشعر المريض هناك بضغط “الوسط” (Peer pressure)؛ فالفضاء يفرض عليك الصمت، والكرسي يمتص غضبك ويلجم اللسان عن الاحتجاج. في المقابل، ما يزال ينظر للمرفق العمومي ك “رزق السايب” أو “ملك مشاع” يؤخذ بالغلبة لا بالنظام، لاسيما أن هناك اعتقادا سائدا بأن الخدمة “المجانية” التي ارتبطت بخدمة “راميد” وقبلها شهادة الضعف وصولا إلى “أموتضامن” هي بالضرورة خدمة منقوصة الجودة، مما يولد حالة من التوجس و”الدفاع الاستباقي” عن النفس عبر إثارة الفوضى، ظنا من البعض أن “الغوات” (الصراخ) و”التدافع” هما الوسيلة الوحيدة لانتزاع الحق في العلاج وسط غابة من الانتظار. هذا “الانفصام السلوكي” يضعنا أمام تساؤل حارق: هل العلة في وعي المواطن و”تربيته”؟ لا غرو في القول إن الفوارق “البصرية” تلعب دورا حاسما في ضبط السلوك. هذا الخوف الغريزي من “الضياع” وسط الزحام هو ما يحول قاعات الانتظار من فضاءات للسكينة والتحمل إلى ساحات “للملاسنات” و”الصراع” حول من سبق ومن دخل من الباب الخلفي. وبما أنه “حط فلوسه”، فهو يحرص تلقائيا على إنجاح العملية لضمان “الربح” الصحي، محترما “قواعد البيت” وأهل الدار، خوفا من الطرد من نعيم الخدمة السريعة. فشتان بين “سبيطار الفلوس” بتكييفه، ونظافته، واستقباله الممنهج، وبين واقع حال بعض مستشفياتنا.
وإذا كان المواطن المغربي قادرا على ممارسة أقصى درجات “التحضر” والبرستيج في العيادة الخاصة، وهو في لحظات الهشاشة والمرض فهذا دليل قاطع على أنه يمتلك “الجينات” السلوكية الراقية، وليست لديه أي “علة” أو تشوهات خلقية في الالتزام. هذا الأداء يولد لديه شعورا فوريا بأنه “زبون” (Client) داخل بيئة محكومة بمنطق السوق. أما في المستشفى العمومي، فإن مشهد الاكتظاظ وغياب التوجيه الواضح، وتعدد المتدخلين الذين لا تعرف “من يحكم في من”، يخلق بيئة خصبة للتوتر العصبي، فحين يغيب النظام من جانب المؤسسة “الأم”، ويصبح المشهد عبارة عن “قربالة” منظمة، يصبح من الصعوبة بمكان مطالبة المرتفق المنهك بالألم والفقر والسقم بالالتزام بآداب السلوك. “الخلاص” والفضاء أولى التفسيرات السوسيولوجية تكمن في تمثل “قيمة الخدمة” لدى الوعي الجمعي. أم في “هيبة” المؤسسة (تلك الهيبة التي قيل فيها “لمن عطاها الله”)؟ لذلك فإن الحل يكمن في إعادة ترتيب المرفق العمومي، ليكون مكانا يُحترم فيه المواطن “كإنسان” لا “كزبون”، حتى لا يضطر لخلع رداء حضارته عند عتبة المستشفى وارتداء درع “السيبة” بحثا عن علاج هو في الأصل حق دستوري. فبينما يرتدي المريض، أو مرافقه، ثوب الانضباط والوقار، ويلتزم بصمت مطبق ودور الانتظار “بالغرام” داخل عيادات ومصحات القطاع الخاص، نجد نفس هذا الشخص “المسكين” قد يتحول، بمجرد أن تطأ قدماه عتبة مستشفى عمومي سواء كان محليا، إقليميا، أو جامعيا، إلى كائن “مستعجل” يرفض المنطق، ويأبى “يشد الصف”، ويحاول القفز فوق المساطر الإدارية بشتى الحيل.
