ثمة مشهد يتكرر في شوارعنا بانتظام يكاد يكون مريبًا: شجار يشتعل، أو امرأة تُهان، أو طفل يبكي ضائعًا وسط الزحام، أو رجل ينهار فجأة على قارعة الطريق. شخص واحد يتقدم فيُحرك ما كان ساكنًا، صوت واحد يُعلن فيمنح الآخرين إذنًا ضمنيًا بالتصرف. وهنا تكمن المفاجأة الجميلة: كسر هذا التأثير لا يحتاج إلى ثورة ولا إلى قانون ولا إلى خطاب. يحتاج فقط إلى فرد واحد يقرر أن يتحرك أولًا. في الفضاء العام، يتحول خرق القانون إلى مشهد مألوف لا يثير سوى تذمر همس يذوب في الهواء. المتفرج هنا لم يعد شخصًا يمر، بل أصبح موقفًا جماعيًا راسخًا. الإنسان يشعر بالانزعاج حين يشهد معاناة دون أن يتحرك، لأنه يعرف في داخله أنه كان ينبغي له أن يفعل شيئًا. الموظف الذي يرى زملاءه يتجاهلون الاختلالات يتعلم أن المبادرة مغامرة غير محمودة. كل واحد يُقنع نفسه في سره أن أحدًا سيتحرك، وأن دوره ليس ملحًّا. هذه الجملة القصيرة، البريئة في ظاهرها، هي التي تصنع الفارق بين مجتمع يتدخل حين يجب ومجتمع يكتفي بالتسجيل. في الإدارة، يُمارَس الظلم الصغير أمام أعين الموظفين دون أن تُرفع حاجب، لأن الصمت أسلم من المواجهة. الإجابة تتشعب في اتجاهات نفسية وسوسيولوجية شتى. الطفل الذي يرى الكبار يصمتون يتعلم أن الصمت علامة حكمة. لكن الأيادي تبقى في الجيوب. المواطن الذي جرّب أن تدخله لم يُغيّر شيئًا يقتنع تدريجيًا بأن الحياد أكثر أمانًا.
والأخطر أن هذا السلوك يُورَّث دون قصد. المشكلة ليست غياب الضمير، بل تعثّره في انتظار إشارة لا تأتي. ثم هناك الجهل الجمعي، حين يُراقب كل فرد ردود فعل من حوله، فإذا رأى الهدوء والتفرج افترض أن الأمر لا يستدعي القلق، بينما الحقيقة أن الجميع يفعل الشيء ذاته، كل منهم يظن أن الآخرين يعلمون ما لا يعلمه. وهو ليس اتهامًا للبشر بالقسوة أو اللامبالاة، بل هو كشف مُزعج لمفارقة يصعب تقبّلها: كلما ازداد عدد الحاضرين في مشهد الأزمة، تراجع احتمال أن يتدخل أيٌّ منهم. في المدرسة، يُترك التلميذ المُنمَّر عليه فريسةً للإذلال اليومي لأن من حوله “لا يريدون الدخول في مشاكل”. والفرق بين مجتمع حيّ يصنع تاريخه ومجتمع ساكن يُشاهد تاريخ غيره، ليس في عدد الصالحين فيه، بل في عدد الذين قرروا ذات يوم ألا يكتفوا بالوقوف على الرصيف. في نهاية المطاف، لا يسعنا أن نُلقي اللوم على “الناس” وكأنهم كتلة بلا أسماء ولا وجوه. غير أن الأمر في سياقنا المغربي يتجاوز ردود الفعل اللحظية في الشارع. وفوق كل ذلك، ثمة خوف خفيف لكنه مُشل: خوف من الإحراج، من أن يتدخل الإنسان في غير موضعه فيبدو ساذجًا أو متدخلًا فيما لا يعنيه. صحيح أن التفاصيل خضعت لاحقًا لمراجعات وتصويبات، لكن الصدى بقي. والقصة التي فجّرت هذا النقاش ليست خيالًا أكاديميًا. أبرزها ما يعرفه الباحثون بـ”تشتت المسؤولية”: حين يكون الجميع مسؤولًا بالتساوي، لا يشعر أحد أنه مسؤول بالفعل. هذا ليس تفاؤلًا سطحيًا، بل ما تكشفه الدراسات ذاتها. الكل حاضر، والكل غائب في الوقت ذاته. وبين هذا الحضور الجسدي والغياب الأخلاقي، تُدفن بعض المآسي في صمت جماعي لا يشبه البرودة، بل يشبه انتظارًا لا ينتهي.
في نيويورك خمسينيات القرن الماضي، قُتلت كيتي جينوفيز في محيط سكني، وسط روايات تتحدث عن شهود رأوا ولم يتدخلوا. جون دارلي وبيب لاتانيه، عالما النفس اللذان أرسيا هذا المفهوم، لم يكونا يرسمان صورة تشاؤمية عن الإنسان. كأن المجتمع لا يفتقر إلى الأخلاق، بل إلى من يُقيلها من عثرتها. وفي هذا التأجيل الصامت تقع الكوارث الصغيرة التي لا يتذكرها أحد لأن أحدًا لم يكن مضطرًا للاعتراف بها. العيون تتجمع، والهواتف ترتفع، والتعليقات تتهامس. هذا الانتظار له اسم علمي دقيق: “تأثير المتفرج”. لأن “الناس” هم نحن. وهكذا تتحول الظاهرة من رد فعل عارض إلى إرث سلوكي يُعاد إنتاجه جيلًا بعد جيل، في بيوتنا وفصولنا ومكاتبنا وشوارعنا. لكن ثمة ما يستحق التأمل في عمق هذه الصورة القاتمة: البشر، في قرارة أنفسهم، لا يريدون أن يكونوا متفرجين. نحن من نُقرر في تلك اللحظة الصغيرة، لحظة المشهد الذي يستدعي موقفًا، بين أن نتابع وأن نفعل. بل كانا يحاولان فهم لحظة الإحجام تلك، اللحظة التي يقول فيها الإنسان لنفسه في صمت: “ليس الآن، ليس أنا، ليس وحدي”. نحن أمام نمط ثقافي ممتد، ظاهرة متفرج مزمنة لا تقتصر على الأزقة. لأن السؤال الذي طرحته تلك الليلة لم يكن سؤالًا عن جريمة بعينها، بل كان سؤالًا يخصنا جميعًا: لماذا يصمت الناس في اللحظات التي يكون فيها الكلام واجبًا؟ الجماعة، التي نظنها قوة وحماية، تتحول أحيانًا إلى مخدّر جماعي يُخدّر الضمير الفردي. وحين يفكر الجميع هكذا، لا يتحرك أحد.
