أجمع أساتذة باحثون في مجال العلاقات الدولية على أن الدعم الياباني الصريح والمتجدد لمبادرة الحكم الذاتي، وإشادة طوكيو بالمبادرات الأطلسية للمملكة، ليسَا مجرد موقف دبلوماسي عابر؛ عادّينَ ذلك اعترافاً بالدور المحوري للمغرب كقوة استراتيجية صاعدة في منطقة شمال وغرب إفريقيا. وأوضح لكريني أن “هذا الموقف سمَح بخروج قوى دولية وازنة من ‘دائرة الانتظار’ أو ‘الحياد السلبي’ نحو دعم صريح للمقترح المغربي”. ونوّه إلى “التقاط” اليابان لأهمية المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس، معتبراً إياها مخرجاً استراتيجياً لطوكيو التي تعاني من “وطأة جغرافيا المضائق” (مثل مضيقي هرمز وباب المندب). أبعاد جيوسياسية واقتصادية قال لحسن أقرطيط، خبير في العلاقات الدولية والجيوسياسية، إن الموقف الياباني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي يكتسي أهمية بالغة؛ لكونه يأتي في سياق تتابُع المواقف الإيجابية لدول فاعلة مثل ألمانيا وكندا. وتم تضمين الموقفيْن في بيان مشترك وُقّع خلال اجتماع عبر تقنية “التناظر المرئي” من قبل وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، ونظيره الياباني. وفي تصريحه لجريدة “هسبريس” الإلكترونية، أشار المتحدث إلى أن “الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية” تتصدرها الشرعية الدولية؛ فالموقف الياباني ينسجم مع منطق القرار الأممي رقم 2703، الذي بات يشكل جوهر الشرعية الدولية في معالجة النزاع الإقليمي حول الصحراء.
ولخص أبعاد هذا التعاون في “الواقعية والاستدامة”؛ حيث ثمة قناعة دولية متزايدة بأن مقترح الحكم الذاتي هو الحل الوحيد الواقعي لإنهاء هذا النزاع المفتعل، مقابل “تآكل الطروحات الانفصالية المتجاوزة”. وأوضح أن انضمام اليابان يعني أن ست دول من أصل سبع في مجموعة السبع (G7) باتت تتبنى مواقف داعمة لمغربية الصحراء، وهو ما يعكس تحولاً جذرياً في مواقف القوى الدولية لصالح الحقوق المشروعة للمملكة. وبحسب لكريني، تنظُر اليابان إلى المغرب كبلد مستقر يمثل البوابة الرئيسية لتعميق علاقاتها مع القارة الإفريقية التي تزخر بإمكانات استثمارية هائلة، وهو ما يجسده بوضوح مؤتمر قمة “تيكاد”. ولا يغيب العمق الإفريقي عن طوكيو التي ترى في الواجهة الأطلسية للمغرب “فرصة تاريخية لتعزيز الاستثمارات وتأمين الممرات التجارية العالمية”، فضلاً عن كونها نافذة لدمج دول الساحل — التي تعاني من الإرهاب والاضطرابات — في الاقتصاد العالمي عبر تمكينها من ولوج المحيط. إذ نوهت اليابان بجهود المغرب التي “تدفع قدماً بالاندماج الإفريقي، وتعزيز روابط التعاون مع الدول الإفريقية، وكذا ترسيخ السلم والاستقرار والازدهار المشترك في المنطقة”. كما طرح أقرطيط فاعلية وثقل القوة الاقتصادية لليابان، مؤكداً أن “دخول اليابان كقوة اقتصادية نافذة في المنظمات الدولية على خط الدعم سيسرّع من عملية الحلحلة النهائية لهذا النزاع”.
خارج “دائرة الانتظار” من جانبه، اعتبر الدكتور إدريس لكريني، أستاذ التعليم العالي في العلاقات والقانون الدوليين وإدارة النزاعات، أن الموقف الياباني يمثل استمرارية للدينامية المتصاعدة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية، خاصة بعد صدور قرارات مجلس الأمن الأخيرة. كما لفت الانتباه إلى “الأثر المستقبلي”، معتبراً أن هذا التحول سينعكس إيجاباً على مستقبل القضية الوطنية، ويؤدي إلى تنويع شراكات المغرب مع القوى الدولية الوازنة في الساحة العالمية. وتُكمل العلاقات الدبلوماسية بين المغرب واليابان في سنة 2026 الجارية ذكراها السبعين، مرسخةً تاريخاً تميز بالصداقة والتعاون والدعم المتبادل. وتابع مستقرئاً دلالات “تعميق الشراكة الثنائية”؛ فالموقف السياسي الجديد لليابان يوفر أرضية صلبة لتطوير العلاقات بين الرباط وطوكيو، متجاوزاً “البعد الجغرافي” نحو شراكة متميزة في مجالات حيوية كالاقتصاد الرقمي، والبيئة، وتدبير الكوارث، والتنمية المستدامة.
