الرداءة اللغوية تزكم الانوف تحت قبة البرلمان

هيام الكلاعي تكتب:
بلغ السيل الزبى، بل غرقنا جميعاً في “شبر ماء” من الرداءة اللغوية التي تزكم الأنوف تحت قبة البرلمان. تسمعهم يتحدثون عن “مأسسة التموضع الاستراتيجي لبلورة آليات الأجرأة المندمجة”، فتشعر أنك أمام جهاز حاسوب أصابه عطل تقني، وليس أمام مسؤول سياسي يفترض فيه تبسيط الأمور للناس. يدّعون أن عقولهم مبرمجة بلغات موليير وشكسبير لدرجة أن لسانهم العربي “تعطل” من فرط الرقي، لكن الواقع المخزي يقول إنهم أجانب عن كل لغات الأرض. يُسألون عن عطش القرى، فيفيضون علينا بمصطلحات “المنظومات الإيكولوجية الرقمية”. عندما يعجز “نخبة” المجتمع عن صياغة فكرة واضحة وبسيطة، فكيف لهم أن يصيغوا حلولاً لمشاكلنا المعقدة؟ لقد طور وزراؤنا مهارة خارقة في “المراوغة اللغوية” الفاشلة؛ يُسألون عن غلاء المعيشة، فيجيبون عن “الدينامية السوسيو-مجالية”.

أما الكارثة العظمى، فتتجلى في تلك النخبة “الفرنكوفونية” أو “الأنجلوفونية” المزعومة التي تجلس على كراسي الوزارة. إنها أسئلة في وادٍ، وأجوبة في “كوكب زحل”، مصاغة بلغة ركيكة تجعل سيبويه يتقلب في قبره، وتجعلنا نترحم على أيام كان فيها المسؤول يمتلك من الهيبة الثقافية ما يكفي لتركيب جملة واحدة لها “رأس وقدمين”. أما أن تفرضوا علينا رداءتكم اللغوية والسياسية في آن واحد، فهذا استخفاف بالشعب لم يعد يطاق. الخطاب تحت القبة صار عبارة عن سلطة من الكلمات المتقاطعة، تدخلات تفتقر للمبتدأ، وعويل يضيع فيه الخبر، وأسئلة سريالية تجعل المواطن يشعر وكأنه يشاهد فيلماً صامتاً، لكن بضجيج مزعج لا ينتهي. لم يعد يهمنا إن كانت ثقافتكم مستوردة أو محلية، أو إن كنتم تفكرون بالفرنسية وتحلمون بالإنجليزية، ما يهمنا هو هذا الانحدار القيمي والمعرفي الذي جعل القبة مدرسة لمحو الأمية على الهواء مباشرة. لم يعد الأمر مجرد هفوات لسان أو “زلة” عابرة، بل نحن أمام حالة من الإعاقة التعبيرية الشاملة التي تجعل المرء يتساءل بمرارة: هل هؤلاء القوم يمثلون الشعب، أم يمثلون طلاسم السحر الأسود التي لا يفهمها جن ولا إنس؟

ارحموا لغتنا، وارحموا عقولنا، فقد ضاق “البيان” بما رحبت “الرداءة”. هيام الكلاعي يا سادة، إن كنتم لا تجيدون الحديث، فاستعينوا بمترجمين، وإن كنتم لا تجيدون التفكير، فالصمت أستر. لقد تعودنا على بعض البرلمانيين الذين يبدو أن علاقتهم باللغة العربية قد انتهت في الصف الأول ابتدائي عند حدود “رسمت هند قطة”، لكن أن يتحول النقاش حول مصير أمة وميزانيات ضخمة إلى “تهتهة” جماعية ومحاولات يائسة لتركيب فعل مع فاعل، فهذا إنجاز تاريخي غير مسبوق في فن التلوث السمعي. تراهم يقفون بكل ثقة، ليلقوا “قنبلة” من الجمل غير المفيدة، حيث لا جواب يشفي غليل المواطن، ولا لغة تحترم ذكاء السامع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *