ندوة بالمعرض الدولي للكتاب تناقش رهانات الذكاء الاصطناعي في التربية

قال الأكاديمي السوسيولوجي والأنثروبولوجي المغربي يونس الوكيلي إن استعمالات الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي باتت ترافقها، أساسا، أسئلة ذات مشروعية فعلية حول “كيفية الاستخدام”؛ بما أن الوضع تعدّى التساؤلات الأولية المتصلة بـ”هل يعد استخدامه صحيحا في الأصل؟”، فهو “قادم كقطار شحن، شاء من شاء وأبى من أبى”. ويسمي الوكيلي هذه المرحلة “التفكير مع” الذكاء الاصطناعي، أي إنه يفكر مع الذكاء البشري، بمعنى أن الإنسان يتولى توجيه هذا الذكاء لخدمة أفكاره وما يسعى إليه، مبرزا أنه انطلاقا من تجربته كأستاذ جامعي، عندما يقدّم له طالب دراسة علمية، يطرح عليه سؤالا أساسيا: “هل استعملت الذكاء الاصطناعي؟”، فإذا قال نعم، يطلب منه أن يحدد بدقة أين استعمله: أفي تدقيق البيانات أم في بناء الإشكالية أم صياغة الفرضيات أم جمع المعطيات أم مراجعة الأدبيات المتعلقة بالموضوع أم تحليل البيانات أم الكتابة أم في تنظيم لائحة المراجع؟”. وخلص أحمد صابر إلى أن هذا المسار يبين أن الإنسان لم يكن كغيره من الكائنات، بل استطاع أن يبدع وسائل للتواصل، حيث تحولت الرسومات إلى حروف، وأصبحت اللغة أداة لتنظيم التواصل بين الناس، قبل أن يشرع في تدوين تجاربه عبر مختلف البيئات، وهو ما شكل أساس تطور المعرفة الإنسانية. من جانبه، قال عبد الرحمن مزيان، أستاذ ومدرب تكنولوجيا المعلومات وعلوم التربية، إنه واجه سؤالا “لم يأتِ من فراغ أو من باب التنظير، بل جاءني صراحة من داخل الفصل الدراسي بصفتي مدرسا، ومن تجربة ميدانية حين باغتني أحد التلاميذ قائلا: أستاذ، لماذا أتعلم وأنا أستطيع أن أسأل الذكاء الاصطناعي؟”.

وقال مزيان في مداخلته إن “الذكاء الاصطناعي فرض نفسه داخل البيوت والأقسام؛ إذ أصبح يكتب ويشرح ويبني ويحصي ويحل أعقد العمليات، بل ويقيّمها في ثوانٍ معدودة”، مشددا على أنه “هنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ لأن السؤال الذي واجهه لم يكن مجرد استفهام عابر، بل نقطة تحول بالنسبة إليه كمدرس”. وأضاف الباحث ذاته أنه منذ تلك اللحظة تأكد أن البساط قد سُحب فعلا من تحت “قدسية الأستاذ” التقليدية؛ لأنه لم يعد المصدر الوحيد للمعرفة، موضحا أن هذا التحول يفرض إعادة التفكير في أدوار الفاعلين التربويين. وذكر السوسيولوجي الأستاذ الباحث بالمعهد الجامعي للبحث العلمي بجامعة محمد الخامس، في مداخلته مساء أمس الاثنين، أنه “بما أن الذكاء الاصطناعي أداة، فمن الأساسي اعتباره كذلك، مع التأكيد على أن الإنسان يظل هو المركز، وسلطة الاستعمال تبقى دائما بيده”، مفيدا بأنه “في هذه الحالة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضاعف إنتاجيتنا بشكل كبير، بل ويسرّعها”. وأضاف أنه توقف قليلا وتأمل في السؤال كثيرا، ليس لأنه لا يملك جوابا، بل لأنه أدرك أن السؤال في عمقه أكبر بكثير من أي إجابة جاهزة، مشيرا إلى “أننا لا نعيش تطورا عاديا، بل تحولا جذريا في ماهية التعليم بذاتها”.

وأفاد المتحدث بأن الفرق الجوهري يكمن في أن الذكاء الاصطناعي سريع بطبعه، بينما التربية بطيئة بطبعها، وهو ما يشكل التمايز بين التقنية وبناء الإنسان، لافتا الانتباه إلى أنه، بناء على ذلك، أصبح يفكر مليا في دوره كمعلم، معتبرا أن عليه التوجه أكثر نحو الجانب التربوي والقيمي؛ لأن الذكاء الاصطناعي قد يجيب عن “ماذا؟” و”كيف؟”، بينما يظل المدرس معنيا بالإجابة عن “لماذا؟” و”لمن؟” و”لأجل أي قيمة؟”، مؤكدا أن صناعة المعنى ستبقى من صميم اختصاص المربي وخصوصيته. وتابع قائلا: “إن هذا الواقع قادني إلى مجموعة من القناعات، أساسها أن المعلم إذا ظل مجرد ‘ناقل للمعرفة’ فقد انتهى دوره؛ لأن الذكاء الاصطناعي يقوم بهذا الدور بكفاءة وسرعة فائقة”. كما ذكر أن الإنسان، في المقابل، كائن مختلف؛ إذ رغم حضوره الأولي المرتبط بالغريزة والطبيعة، فقد تميز بامتلاكه للثقافة، موردا أن الإنسان القديم بدأ بالرسم على الكهوف والنقش على الحجارة، وهو ما تؤكده دراسات الأنثروبولوجيا والآثار. وأوضح لوكيلي، ضمن مداخلته في ندوة بعنوان “التربية والتعليم في زمن الذكاء الاصطناعي: فرص واعدة أم تحديات أخلاقية؟”، نظمها مكتب “تريندز” الافتراضي في المغرب التابع لمركز “تريندز” للبحوث والاستشارات، بالمعرض الدولي للنشر والكتاب، أن “تطور الذكاء الاصطناعي يمر بمرحلتين أساسيتين”، مبرزا أن “المرحلة الأولى تنطلق من ‘الفرص الواعدة’، فيما تقدم الثانية ‘التحديات الأخلاقية الحقيقية’؛ فالأولى تُعرف بـ Augmenting Intelligence، أو الذكاء المعزز”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *