تعززت المكتبة العلمية بإصدار علمي متميز يتمثل في ترجمة وتفسير القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية للدكتور الأستاذ عبد الحق عزوزي، صادر عن دار النشر الدولية البراق. وقد استند الأستاذ عبد الحق عزوزي في تفسيره إلى أوثق التفاسير القديمة والحديثة، منتقيا منها ما ينسجم مع أصول الدين ومقتضيات العقل، ومُعمِلاً في الآن ذاته نظرته الاجتهادية التي تراعي تحولات العصر وتحدياته. ومن أبرز خصائص هذا العمل أنه قُدِّم وفق روايتي ورش عن نافع وحفص عن عاصم، في احترام لتعدد القراءات. وأخيرا، فإن هذا المؤلف هو الأول من نوعه في تاريخ الترجمات والتفاسير الذي يجمع بين الترجمة والتفسير من خلال روايتي ورش عن نافع وحفص عن عاصم، وقد نشرت كل رواية في ثلاثة مجلدات مستقلة. ويرسّخ هذا العمل مكانته كمرجع علمي موثوق، وموسوعة معرفية حيّة، تجمع بين أصالة التراث وضرورات التجديد، وتسهم في تقديم صورة منفتحة ومتوازنة عن الإسلام في الفضاء الفرنكفوني. كما أولى عناية خاصة للجوانب اللغوية والبلاغية، مبرزا دقائق التعبير القرآني وثراءه الدلالي، بما يُمكّن القارئ الفرنكفوني من تذوق جمال النص وفهم أبعاده العميقة. كما أن غرض هذا العمل مساعدة المسلم وغير المسلم في تدبر القرآن الكريم ككتاب هداية إلهية وتشريع ديني ونور يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ويمؤسس لدستور عالمي قائم على الوسطية والاعتدال والأخلاق والقيم الإنسانية المثلى.
كما تفسر آيات كل سورة بدقة وعناية خاصة مع كل الإيضاحات اللغوية والبيانية والروحية. ولا شك في أن هذا الإنجاز العلمي يشكل إضافة نوعية في مجال خدمة القرآن الكريم، إذ يسعى إلى تمكين القارئ، مسلما كان أو غير مسلم، من فهم رسالة الإسلام في بعدها الإنساني الشامل، القائم على قيم الاعتدال والوسطية، والداعي إلى التأمل والحوار وبناء المشترك الإنساني. كما اعتمد المؤلف منهجية دقيقة تقوم على تقسيم السور إلى وحدات موضوعية، مع بيان أسباب النزول، وتقديم ملخصات تمهيدية تسهّل على القارئ إدراك المقاصد العامة لكل سورة. ولا يقتصر هذا الجهد على مجرد نقل حرفي للنص القرآني؛ بل يتجاوزه إلى بناء مشروع علمي متكامل يستوعب الأبعاد اللغوية والبلاغية والروحية، ويقدم فهما منسجما وشاملا للخطاب القرآني في أفقه الكوني والإنساني. وجمع الدكتور عبد الحق عزوزي في تفسيره بين المأثور والمعقول مستمدا من أوثق التفاسير القديمة والحديثة، ومن الكتابات حول القرآن الكريم ومستندا إلى علوم عديدة تساهم في خدمة المقاصد القرآنية… وبين أسباب النزول في أصح ما ورد فيها ويترك الضعيف منها، وتوقف عند مسائل في الإعراب تساعد في تبيان كثير من الآيات، وتوقف عند مختلف المحامل التي تسمح بها كلمات القرآن وتراكيبه وإعرابه ودلالته، من اشتراك وحقيقة ومجاز، وصريح وكناية، وبديع، ووصل ووقف. ويتجاوز هذا العمل مجرد الترجمة، ليجمع بين الأمانة للنص المقدس، وصفاء الذوق، والاستقلال في الاستدلال. كما أن الترجمة التي قام بها الدكتور عبد الحق عزوزي تختلف كل الاختلاف عن الترجمات الموجودة، لدقتها وضبطها وتحقيق مما خلت عن ضبط كثير منه الترجمات الموجودة، ولاطلاع المؤلف الواسع على دقائق اللغة العربية والفرنسية على السواء.
وعندما يذكر الروايات فإنه لا يثمن إلا ما يتفق وأحكام الدين ويتقبلها العلم والعقل، ويؤيد في بعض الأحيان الآيات بالأحاديث الصحيحة، وجاء تفسيره مطابقا للفظ من حيث الاستعمال، سليما من التكلف، عريا من التعسف. ثم إن الدكتور عبد الحق عزوزي بذل الجهد في الكشف عن نكت من معاني القرآن وإعجازه خلت عنها التفاسير. وقد حافظت الترجمة على جمال النص القرآني وثرائه الدلالي والبلاغي تمكن القارئ من إدراك أبعاده الحقيقية الروحية والدينية. وسلط الأضواء على قصص الأنبياء وأحداث الإسلام الكبرى التي تحوي عبرا جمة وفوائد للأمة، وتوقف كثيرا عند آيات التدبر والتفكر، وآيات الله في الكون واستعان ببعض العلوم الفيزيائية والطبية والطبيعية. ويقع هذا المؤلَّف في ثلاثة مجلدات ضخمة تناهز 3200 صفحة، وهو ثمرة أكثر من عشر سنوات من البحث المتواصل والعمل الدؤوب. ويُعد هذا العمل، الذي جرى تقديمه ضمن فعاليات الدورة الأخيرة من المعرض الدولي للنشر والكتاب بمدينة الرباط، من أبرز الإسهامات العلمية المعاصرة التي تجمع بين دقة الترجمة وبين عمق التفسير في قالب موسوعي رصين. ويتميّز هذا العمل أيضا بانفتاحه على المعارف الحديثة، حيث يستحضر المؤلف بعض المعطيات العلمية في سياق إبراز سنن الله في الكون، رابطا بين معاني الوحي ومظاهر الخلق، في رؤية متوازنة تجمع بين الإيمان والعلم، وبين الأصالة والمعاصرة.
