ما الذي يحدث حين يتحوّل العالم إلى لُعْبة، ويصبح الإنسان ظلّاً زائلاً؟ عندها فقط، قد نكتشفُ أن أخْطر ما في مُجتمعاتنا المُعاصرة ليس قسْوتها، وإنما قُدرتها الهائلة على إقناعنا بأن لا بديل عنها… وأن أقْصى درجات العِصيان ربما تبدأ من رفاهية بسيطة: أن نضعَ النّرْدَ جانباً، وأن نُجرّب، ولوْ للحظة، أن نتنفّس خارج اللَّوحة وخارج الوَاجهة معاً. يملك بعض الأفراد إنجازات فعلية، لكنهم يظلون على الهامش لأنهم لم ينمّوا بعد عضلة الاستعراض، ولم يلتحقوا بورشات “بناء العلامة الشخصية” و”فنّ بيع الذات” و”كيف تتحوّل إلى قصة ملهمة في خمس خطوات قابلة للمشاركة”. أمّا الخاسر، فيتلاشى ببطء؛ يبدأ بِبَيْع ما يملكُ، ثم يبيع ما لا يملك، ثم يبيع نفسه في النّهاية؛ ليس لأنه أقلّ شطارةً، وإنما لأن اللعبة نفسها مكتوبة بطريقة تجعل “الاحتكار” مَصيرًا. من يربح فعلاً حين نخسر أنفسنا؟ تمنح كل دفقة إضافية من الادّعاء صاحبَها حيّزاً أوسع، وتضمن له كل واجهة أكثر لمعاناً مروراً أسهل. لا يعمل العقل أداةً للفهم، وإنما يتحوّل إلى ديكور؛ ولا تنهض المعرفة بوصفها ممارسةً حية، وإنما تظهر زينةً لغوية يستدعيها المرء عند الحاجة. من يرسُم حدود الشوارع التي نتقاتل على امتلاكها، ومن يحدّد نصف قُطْر الفقاعة التي نختنق داخلها ونحن نسمّي ذلك نجاحاً ومَكانةً؟ ضمن هذا السياق، يجرّد المجتمع مفاهيم مثل التواضع والإنصات والاعتراف بالحدود من قيمتها؛ فيفسّر الناس التواضع على أنه خلل تسويقي، ويصنّفون الإنصات بوصفه خسارة زمنية، لأن السؤال الوحيد الذي يشغلهم هو: من يحتل مساحة أكبر؟ مجتمع الواجهات المنتفخة على أطراف هذا الكوكب المُتعَب، يولد شكلٌ اجتماعيّ جديد؛ شكلٌ يمكن نعته، من غير تردّد، بـ “مجتمع الواجهات المتضخّمة”: حضارةٌ بلغت حدَّ الإتقان في تلميع الصورة، لكنها فقدت، في المقابل، قدرتها على صناعة معنى إنسانيّ حقيقي، أو إقامة علاقةٍ خالصة لا تحكمها المنفعة. كما أن ما يثير الدّهشة في هذا المجتمع ليس مقدار الظلم الكامن فيه، وإنما ذلك الإيمان الطّفولي الذي يدفع لاعبيه إلى الاستمرار في خوض اللعبة. وإنّما: من سيتجرّأ أن يسْأل أصلاً إن كانت هذه اللّعبة تستحقُّ أن تُلعَب، وهذه الفقاعات تستحق كلَّ هذا النَّفْخ؟ اللّعبة التي تشبه العالم أكثر ممّا ينبغي ليس في “مجتمع مونوبولي” شوارعٌ حقيقيّة، ولا بشرٌ حقيقيّون، ومع ذلك فهو يشبه العالم الذي نعيش فيه. فعلى الرغم من أن النهاية معروفة، نعود ونفتح العُلبة مرّة أخرى.
كلُّ شيء يبدأ بصفقة بسيطة: نرمي النّرد، نتقدّم، نشتري، ونُكَرِّر اللُّعبة. في هذا المجتمع، يصبح الحظّ نظاماً اقتصادياً، وتتحوّل الخطوةُ العشوائية إلى فلسفة حياة. ومع ذلك نلعب؛ لأننا، في أعماقنا، نحتاج إلى لُعبة تفضحنا دون أن تَجْرحَنا، وتعرّي أحلامنا دون أن تسلبنا القدرة على الضحك. تُنتج هذه البنية قلقاً مزمناً يتخفّى خلف الثقة، وتظل كل واجهة مهدَّدة في أي لحظة بفقدان بريقها. ومن يفرض حضوره بصوت أعلى؟ نضحك ونحن نوزّع الأموال الورقيّة، نغضب حين نقع في خانة السّجن، ونُساوم بعضنا على شوارع لا قيمة لها خارج اللّعبة. لعبة تقول لنا بصوتٍ لطيف: “ما تلهثُ وراءهُ هنا… يشبه تماماً ما تلهثُ وراءه هُناك”. يبدو أن “مجتمع مونوبولي” و”مجتمع الواجهات المنتفخة” ليسا عالمين متوازيين، إنهما آليتان متكاملتان لإدارة الوَهْم: اللعبة تُعيد توزيع المواقع، والواجهة المنتفخة تُعيد صياغة الذوات بما يناسب قواعدها. يكفي تعليق عابر، أو تجاهل جماعي، أو ظهور واجهة أكثر لمعاناً في المشهد نفسه، حتى يدخل صاحبها حالة استنفار: محتوى إضافي، تصريحات أكثر حدّة، و”مشاريع” جديدة لا تتجاوز كونها عناوين في مفكرة الهاتف. ألسنا نعيش بين نظامين متكاملين: لعبةٌ تُوزّع الأدوار بدقّة، وفقاعاتٌ تتكفّل بالباقي من خلال تجميل الهزيمة وتسويق الوَهم؟ لكن، ربما، هذا هو الدرس الذي ينساه الجميع: إنّ مجتمع مونوبولي لا يُعطي دروساً في التِّجارة بقدر ما يعلّمنا دروساً في الوَهْم؛ في هشاشة الملكية، في الغرور، في الطّرق التي يمكن لحَفنة قوانين مصمّمة بعناية أن تصنع الفارق بين مالكٍ ومُستأجر، وبين مُنتصرٍ ومُختفٍ من اللّوحة. لنتأمل؛ وإلى حديث آخر. ومع ذلك، يظلّ هناك هامش صغير من الرّفاه العقلي يمكن الدّفاع عنه: لحظةَ نُقرر فيها أن نراقب اللعبة لا أن ننخرط فيها، وأن نختبر قيمة ذواتنا خارج عدّاد الممتلكات، وخارج مقاييس التّضخم الرّمزي. ننسى أن كل شيء سينتهي فور أن نُغلق العُلبة، وسنعود بعدها أشخاصاً عاديين، بلا ثرواتٍ ولا إفلاس.
عندها يظهر الحجم الحقيقي، ويتكشّف الفرق بين من استخدم الواجهة قناعاً مؤقّتاً، وبين من سكنها حتى نسي ملامحه خارجها، ولم يعد يعرف، أو لا يريد أن يعرف، طريق الخروج. هل الحظّ اقتصاد، والاحتكار قَدَر، والتضخيم الذاتي مهارة حياتية لا بدّ منها للبقاء في السّوق؟ ماذا يتبقّى من الفرد حين يسحب عنه كل هذا الظّهور؟ على المستوى النظري، يمكن توصيف هذا النظام بـ اقتصاد الظُّهور; لا يطالب المجتمع الفرد بامتلاك قيمة حقيقية ما دام يتقن تسويق صورته؛ إذ يكتفي بالصورة عالية الدقّة، والخطاب المنمّق، والحضور الرقمي الصاخر، واقتباسات فلسفية مبتورة تُستَخدم كإكسسوارات فكرية. لا يعبر سكّان هذا العالم الشوارع بأقدامهم؛ إنهم يتنقّلون داخل أغلفةٍ شفافة من التمثيل الذاتي، تتمدّد كلّما تضخّمت صورة الأنا، وتنكمش كلّما واجهتهم أسئلة المعرفة أو الفعل أو الأثر الحقيقي. وفق منطق هذا الاقتصاد، لا ترتبط المكانة بالكفاءة أو الأخلاق أو الأثر في الواقع، وإنما بمهارة واحدة لا غير: إدارة الانطباع من غير انقطاع. لا أحد يتساءل عن شرعية القواعد، لأن العُلبة أُغلقت بإحكام قبل أن يبدأ اللّعب، ولأن البطائق الملوّنة أقنعت الجميع بأنهم يملكُون ما يكفي من الحرية كي يشعروا بأنهم أحياء. في هذا المجتمع، لا يقيسُ الناس الفرد بما يتقن أو بما يضيف، بل يقيسونه بمساحة حضوره المصطنع في الفضاء العام. ما بعْدَ النَّرد وما بعدَ الهَواء إذا كانت نهاية اللّعبة معروفة، وانفجار الفقاعة مسألة وقت، فالسؤال الحقيقي ليس: من سيربَحُ في النهاية؟ هل نحن مجرّد لاعبين نرمي النّرد على لوحة “مونوبولي”، أم مجرّد ظلالٍ داخل “مجتمع الفقّاعات” نقيس حجْمَنا بكمّية الهَواء الذي نضخّه في ذواتنا؟ هكذا، يصبح الفائز أكثر من مجرّد لاعب محظوظ؛ إنه “دولةٌ صغيرة” تمشي على قدمين، يفرض الضّرائب، ويملك القدرة على تحويل الآخرين إلى مجرّد ضيوف عابرين في أملاكه. لكننا لا نشتري عقاراتٍ فقط؛ نشتري أوهام السّيطرة، ونؤجّر للآخرين حقّ المرور في مساحاتٍ لم نخلقها نحن، لأن يداً غير مرئية صمّمتها تؤمن بأن القيمة لا تُقاس إلا بما يُمكن رَهْنُه أو احتكاره. يتكوّن هذا الحضور من خليط كثيف من التزييف الرمزي، والسير الذاتية المصقولة، والقصص المهنية التي تبدو ناجحة فقط لأن أصحابها قدّموها بإخراج جيّد.
