كيف يمكن لحوارٍ واحد أن يختصر كل هذا التوتر بين الصورة والمعنى، بين الشغف الأولي الذي يولد في عتمة قاعة سينما، وبين الوعي النقدي الذي يتشكل ببطء داخل مختبر الفكر؟ لكن، في المقابل، يظل الوعي ضرورياً بخطر الإفراط في التنظير؛ حين يتحول المفهوم إلى غاية في حد ذاته، ويصبح الفيلم مجرد ذريعة لاستعراض المعرفة. فالمطلوب ليس الانغلاق أو رفض التأثيرات الخارجية، لأن السينما بطبيعتها فن كوني يتفاعل مع التجارب المختلفة، ولكن المطلوب هو أن يتم هذا التفاعل من موقع وعي بالذات الثقافية، لا من موقع التبعية أو التقليد الأعمى. هذا الاحتكار غير المعلن يضيّق الخناق على الطاقات الشابة والمشاريع المختلفة، ويجعل الدعم العمومي يدور في فلك أسماء بعينها، ما يكرّس نمطاً واحداً من الرؤية والطرح ويمنع التنوع الحقيقي. ثم تأتي أزمة الإنتاج، وهي لا تقل خطورة. اشتغالك النقدي يكشف عن حس فلسفي واضح في مقاربة الصورة. وأين تضع نفسك بين هذه الاتجاهات؟ لذلك فإن امتلاك ثقافة موسوعية عابرة للتخصصات ليس ترفاً معرفياً، بل من الأسس المهمة والمتطلبات الأساسية في توسيع أفق القراءة وتعميقها. فحين نتأمل عدداً كبيراً من الإنتاجات السينمائية المغربية، نجد أن الهوية لا تُطرح باعتبارها وعياً ثقافياً وحضارياً يُبنى عليه العمل الفني، بل غالباً ما تظهر بشكل مرتبك أو هامشي أو حتى متناقض مع السياق الثقافي الذي تنتمي إليه. كثير من النصوص تبنى على حبكات مستهلكة، وسرد سطحي، وشخصيات نمطية، دون عمق فكري أو جمالي. لذلك يظل سؤال الهوية السينمائية مطروحاً بقوة، خاصة إذا قارنا التجربة المغربية بتجارب استطاعت بناء هوية فنية واضحة مثل تجربة السينما الإيرانية التي نجحت في الانطلاق من خصوصياتها الثقافية والقيمية لتفرض حضوراً عالمياً مميزاً. كيف تعرّف مفهومك للنقد السينمائي؟ ومن هذا المنطلق، كان من الممكن أن يوظف المخرجون المغاربة السينما للتعبير عن الإيديولوجية المحلية وعن الهوية الثقافية المغربية في امتداداتها العربية والإسلامية، بما تحمله من قيم وتاريخ ورموز حضارية غنية. في كثير من الأحيان، تبدو بعض الإنتاجات منقطعة عن مرجعيتها المجتمعية، أو تقدم نماذج ثقافية هجينة غير متوازنة. العامل الثاني ذو طابع فكري وثقافي، ويتعلق بهيمنة لوبي تغريبي تلقّى تكوينه السينمائي في أوروبا، خصوصاً في الفضاء الفرانكفوني، ثم حاول نقل تصورات أيديولوجية متأثرة بتلك البيئة إلى السياق المغربي دون مراعاة الفوارق الحضارية والثقافية والاجتماعية. فالسينما، شئنا أم أبينا، ليست مجرد وسيلة ترفيه أو حكاية بصرية محايدة، بل هي في العمق نقالة للإيديولوجيا بالقوة والفعل، ولو أحياناً بطريقة غير مباشرة لا شعورية. كما برزت أعمال المخرج داوود أولاد السيد التي تميزت بحضور واضح للهوية الوطنية، خاصة من خلال استحضار فضاء الصحراء باعتباره مكوناً جمالياً وثقافياً وحضارياً. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن السينما أضحت اليوم فاعلاً ثقافياً وإيديولوجياً مؤثراً، يؤدي دوراً بارزاً في صياغة وعي الشعوب وتوجيه تمثلاتها. وأين تقف أنت من هذه المعادلة؟ في نظري، النقد ممارسة مركبة تستلزم الجمع بين هذه الأبعاد جميعاً ضمن رؤية منهجية متوازنة. غير أن تجاوز هذه الأزمة يقتضي وعياً نقدياً لدى المبدعين بضرورة استثمار السينما كأداة ثقافية وحضارية، قادرة على التعبير عن الذات المغربية بكل تعقيداتها وثرائها، دون انبهار مفرط بالآخر ودون انغلاق في الوقت نفسه. كل فيلم يحمل رؤية معينة للعالم، ويعيد تشكيل القيم والتصورات داخل المجتمع أو خارجه. من هنا أضع نفسي في منطقة التوازن بين التفكيك الجمالي والتحليل الأيديولوجي. هناك فقر في البناء الدرامي، وغياب لعمق الشخصيات، وضعف في الحبكة، مما يجعل عدداً من الأعمال غير قادرة على شدّ الجمهور أو إقناعه. والحل لا يكمن في القطيعة مع العالم، بل في إعادة الاعتبار للكتابة الجيدة، وتحرير الدعم من منطق الشبكات المغلقة، وبناء مشروع سينمائي ينطلق من الهوية المغربية بتعددها، ويتوجه إلى الإنسان أولاً بوصفه متلقياً للفن لا موضوعاً لإعادة التشكيل الأيديولوجي. ورغم هذه الإشكالات، فقد قدمت السينما المغربية بعض الأعمال التي شكلت تحولات إيجابية على المستوى الجمالي والفكري. باختصار، النقد من وجهة نظري هو ممارسة فكرية وجمالية في آن واحد: دراسة دقيقة لأدوات التعبير السينمائي، مع وعي يقظ بأن كل اختيار جمالي يخفي خلفه تصوراً أيديولوجياً ما. اليوم نلاحظ أن كثيراً من الأفلام تميل إلى مقاربة القضايا السياسية بشكل غير مباشر، عبر استعارات اجتماعية أو حكايات فردية معزولة عن سياقها البنيوي. كيف تنظر إلى العلاقة بين السينما والسياسة في المغرب؟ فالأزمة – في تقديري – نتاج تداخل عدة عناصر بنيوية وفكرية وفنية. لذلك، فالمسألة ليست في كمية المرجعيات، بل في كيفية توظيفها، وفي الحفاظ على توازن دقيق بين الحس الجمالي والصرامة المفهومية. العلاقة بين السينما والسياسة في المغرب علاقة مركبة ومتحركة، لكنها في تقديري لم تعد بنفس الحدة والجرأة التي طبعت مراحل سابقة. يتمثل التحول الأول في التوسع النسبي في الإنتاج السينمائي بفضل سياسات الدعم العمومي التي يشرف عليها المركز السينمائي المغربي، حيث ارتفع عدد الأفلام المنتجة مقارنة بالمراحل السابقة، كما تعزز حضور المهرجانات والتكوينات المرتبطة بالصناعة السينمائية. هل ما زالت السينما فضاءً للمساءلة والنقد، أم أنها دخلت مرحلة التفاوض الرمزي مع السلطة والواقع؟ المطلوب نقد مسؤول، جريء، موضوعي، ينحاز إلى العمل الفني بوصفه بنية جمالية مستقلة، ويضع مسافة واضحة بين التقييم الفني والعلاقات الشخصية أو الاعتبارات غير الفنية. إن اجتماع ضعف النص، وهيمنة توجه أيديولوجي مستورد غير متصالح مع البيئة المحلية، إضافة إلى اختلالات منظومة الدعم والإنتاج، كلها عوامل ساهمت في تعميق أزمة الثقة بين السينما المغربية وجمهورها. أم أن الإفراط في التنظير قد يقتل حساسية التلقي؟ حتى أكثر الأفلام ادعاءً للحياد تحمل في عمقها تصوراً معيناً للإنسان والسلطة والقيم والعلاقات. هل كان اختياراً جمالياً أم موقفاً فكرياً من واقع ثقافي معين؟ هناك بعض النقاد الذين اختاروا المجاملة والإطراء المجاني المبالغ فيه وسيلة لقراءة الأعمال السينمائية المغربية، فتتحول الكتابة النقدية إلى خطاب احتفائي يركز على النوايا الحسنة أو العلاقات الشخصية أو الرمزية العامة، بدل تفكيك البنية الجمالية والفنية للعمل. فاستوديوهات هوليود لا تكتفي بصناعة الترفيه، بل تساهم بمليارات الدولارات في نشر الإيديولوجيات الغربية/ الرأسمالية/ الصهيونية… وتكريس منظومة قيمها للعالم عبر الصورة السينمائية. ولعل أحد أسباب هذا الإشكال يعود أيضاً إلى الخلفيات التكوينية لبعض المخرجين المغاربة، إذ إن عدداً منهم تلقى تكوينه في فضاءات ثقافية فرنكفونية، وهو ما ينعكس أحياناً على طرق المعالجة الفكرية والجمالية للقضايا المغربية، حيث تُطرح موضوعات محلية لكن بمنظورات وأساليب متأثرة بمرجعيات ثقافية خارجية. The post ثالثاً، هناك أزمة هوية ثقافية تتمثل في العجز عن ترسيخ الهوية الوطنية والعربية والإسلامية داخل الأعمال الدرامية. أما التحول الثاني فيتعلق بتغير طبيعة المواضيع والخطابات السينمائية، إذ أصبحت العديد من الأفلام أكثر جرأة في تناول قضايا اجتماعية وثقافية معاصرة. حين يصبح معيار النجاح هو الإشهار والانتشار فقط، تختزل الدراما في الإثارة السهلة والمواضيع المثيرة للجدل، بدل أن تكون أداة لبناء الوعي وصقل الذوق العام. لذلك فإن مساءلة الخطابات المتوارية خلف الشكل الجمالي ليست ترفاً نقدياً، بل ضرورة معرفية. غير أن هذا التطور ظل في كثير من الأحيان تطوراً كمياً أكثر منه نوعياً، إذ ما تزال السينما المغربية محدودة التأثير إذا ما قورنت ببعض التجارب العربية أو الدولية. في قراءتك للدراما المغربية، سواء التلفزيونية أو السينمائية، ما الإشكال الجوهري الذي يعيق تطورها؟ هل هو ضعف في الكتابة، أم أزمة رؤية، أم غياب مشروع ثقافي واضح للدولة والمجتمع؟ ومن أي لحظة تبدأ الحكاية حقاً؟ وفي هذا الحوار مع محمد فاتي، على صفحات جريدة “هسبريس”، لا نقرأ سيرة ناقد، ولكن نصغي إلى مسارٍ يتقاطع فيه الذاتي بالمعرفي، والتجربة الحية بالتأمل النظري، كما لو أن السينما لم تكن اختياراً عابراً، وإنما قدراً تشكل عبر تراكم الصور والأسئلة.
أما التحول الثالث فيرتبط بظهور جيل جديد من الفاعلين في المجال السينمائي مع انتشار التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما سمح بدخول فئات جديدة (متطفلة) إلى عالم صناعة الصورة دون تكوين أو موهبة، وهنا أقصد المؤثرين القادمين من شبكات التواصل الاجتماعي. وقد تجسد ذلك في بحث الماستر، ثم تعزز لاحقاً في بحث الدكتوراه تحت إشرافه، حيث استفدت من توجيهاته الأكاديمية وإرشاداته الفكرية ونصائحه المنهجية. في قراءتي للدراما المغربية، أرى أن الإشكال الجوهري الذي يعيق تطورها هو إشكال مركب من عدة عوامل متداخلة، وليس مجرد ضعف تقني في الكتابة أو خلل عابر في الإنتاج. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن السينما – شئنا أم أبينا – نقالة للأيديولوجيا بالقوة والفعل. لا وجود لفيلم لا يعكس رؤية ما للعالم، سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية أو ثقافية أو فكرية. غير أن هذا التوجه يطرح نقاشاً نقدياً حول طبيعة المرجعيات التي تستند إليها بعض هذه الأعمال، حيث إن بعضاً من هذه الأعمال السينمائية المغربية أصبحت خاضعة لتأثيرات ثقافية فرانكفونية أو لخطابات مستوردة، لا تنطلق بالضرورة من عمق الهوية المغربية والعربية والإسلامية. لذلك يمكن القول إن سؤال الهوية في السينما المغربية ليس قدراً أبدياً بقدر ما هو مرحلة من مراحل تشكل هذه السينما. أما التحليل النفسي، فيفتح له إمكانات قراءة البنيات الرمزية والرغبات المكبوتة والتمثلات اللاواعية داخل الشخصيات والسرد. وهل تعتبر هذه التحولات تقدماً نوعياً أم مجرد تبدلات شكلية في الأسلوب والخطاب؟ النقد السينمائي لا يزال قادراً على التأثير في مسار السينما المغربية، لكن هذا التأثير مشروط بوجود نقد صادق وجريء، لا يتراجع أمام المغريات أو المحاباة، ولا يكتفي بالتجميل أو المداهنة. وقد أتاح لي ذلك فرصة مشاهدة عدد كبير من الأعمال السينمائية، فضلاً عن اللقاء ببعض رموز السينما العربية، من قبيل نور الشريف، وإلهام شاهين، ورشيد الوالي، ومحمد مفتاح، ومحمد بسطاوي، ومحمد خيي، وهي لقاءات أسهمت في تعميق هذا الاهتمام وتعزيز ارتباطي بهذا المجال. أتصوّر أن النقد السينمائي الحقيقي لا يمكن اختزاله في بعد واحد. وهنا تتسلل الأسئلة بهدوء، لكنها تترك أثرها العميق، كأنها تدعونا إلى إعادة النظر في علاقتنا بالسينما، وبأنفسنا أيضاً. يمكن القول إننا أمام مرحلة تتسم بإعادة ترتيب العلاقة بين الفن والسلطة؛ لم يعد الصدام هو الشكل الغالب، بل التعايش الحذر، حيث يتم تمرير الأسئلة الكبرى عبر مسارات سردية أقل مباشرة. نعم، كانت السينما المغربية في فترات معينة فضاء للمساءلة وكشف المسكوت عنه، خصوصاً في ما يتعلق بسنوات الرصاص والهامش الاجتماعي واختلالات السلطة. فالمشكل في كثير من الأحيان لا يرتبط بالإخراج أو التقنيات، بقدر ما يبدأ من مرحلة السيناريو. أم أن زمن الناقد المؤثر قد تراجع لصالح السوق ووسائط التواصل والخطابات السريعة؟ لذلك يبدو أن السينما المغربية، رغم تطورها التقني وتزايد إنتاجاتها، ما تزال إلى حد كبير تبحث عن صيغة واضحة للتعبير عن ذاتها الثقافية والحضارية. فبدل أن تكون السينما مرآة للهوية بتعدد روافدها، تحولت أحياناً إلى أداة صراع رمزي مع تلك الهوية، ما عمّق الإحساس بالاغتراب لدى فئات واسعة من الجمهور. وهنا لا تكمن المشكلة في التكوين ذاته، بل في غياب عملية تبيئة حقيقية لهذه المرجعيات داخل السياق الثقافي المغربي. جزء من النقاد يتجنب الخوض الصريح في الأبعاد السياسية للأعمال، أو يختار قراءتها من زاوية جمالية وتقنية محضة، تفادياً لأي انزلاق قد يفهم كموقف سياسي مباشر. غير أن هذا النفس النقدي بدأ يخضع، بشكل تدريجي، لنوع من التفاوض الرمزي مع الواقع السياسي والمؤسساتي. ويرتبط ذلك بتأثير التكوين الفرانكفوني والغربي لبعض الفاعلين في المجال، وهيمنة شركات إنتاج ذات مرجعية ثقافية مائلة نحو التغريب، ما ينعكس على طبيعة المواضيع المطروحة وطريقة معالجتها. إذ يُلاحظ هيمنة لوبيات معينة على إنتاج أهم الأعمال السينمائية، مستفيدة من محاباة بعض الجهات المسؤولة عن دعم الفيلم المغربي، وفي مقدمتها المركز السينمائي المغربي. شهدت السينما المغربية خلال العقود الأخيرة عدة تحولات بارزة يمكن اختزالها في ثلاثة مستويات أساسية. في تقديري، لا يمكن التعميم على كل الساحة النقدية، لكن يمكن القول إن جزءاً من النقد السينمائي يعيش بالفعل نوعاً من التردد أو الحذر الزائد الذي يجعله أحياناً أقرب إلى المجاملة الثقافية منه إلى المواجهة الفكرية الصريحة. حين يتحرر النقد من المجاملة ومن الخوف في الآن نفسه، يصبح أداة تطوير حقيقية، لأنه يضع المعايير، ويكشف الاختلالات، ويشجع التجارب الجادة. وهو بحث دائم عن المعنى في زمن السرعة، ومحاولة لاستعادة عمق التجربة الجمالية في مواجهة الاستهلاك السريع للصورة. هنا قد تقتل اللغة النظرية حساسية التلقي، وتفقد القراءة دفئها وإنصاتها لتجربة المشاهدة. هذه الوسائط تتيح للجمهور التعبير وإبداء الرأي، لكنها أيضاً تسمح بظهور مؤثرين متطفلين على المجال، غالباً بلا تكوين أو خبرة، ما قد يشتت الانتباه عن القراءة النقدية المتعمقة. أهي تلك النظرة الأولى التي تلتقطها العين بدهشة، أم ذلك السؤال الذي لا يغادر الذهن بعد انطفاء الشاشة؟ هنا يشتغل الناقد على تفكيك البنية السردية والبصرية، وعلى فهم كيفية إنتاج المعنى عبر الصورة والصوت. لكن الواقع الحالي يشهد تحولاً في آليات التأثير، مع صعود وسائط التواصل الاجتماعي، حيث يهيمن الخطاب السريع والمباشر أحياناً على فضاء النقاش السينمائي، وهو ما يقلل من قيمة النقد المبني على الدراسة والبحث. ثانياً، يبرز بقوة تغليب الإنتاجات التجارية التي تكرس التفاهة والرداءة. دون هذا الاشتغال التقني والجمالي، يتحول النقد إلى انطباعية أو خطاب عام لا يستند إلى أدوات تحليلية دقيقة. سؤال أزمة الجرأة في النقد السينمائي بالمغرب سؤال وجيه، لأنه يلامس وظيفة النقد نفسها ودوره في تطوير الفعل الثقافي. وإذا أخذنا السينما الأمريكية مثالاً، نجد أنها تمثل نموذجاً واضحاً لكيفية توظيف الفن السابع لخدمة رؤية حضارية وإيديولوجية معينة. في تقديري، لا يمكن للناقد السينمائي اليوم أن يشتغل بأدوات معزولة أو برؤية تقنية خالصة؛ لأن الفيلم، في جوهره، بنية مركبة تتقاطع فيها أبعاد نفسية واجتماعية وفلسفية وجمالية وتاريخية. لا أحد يعترض على الانفتاح أو الاستفادة من التجارب العالمية، لكن الإشكال يبرز حين تتحول هذه المرجعيات إلى قوالب جاهزة تُفرض على واقع مختلف. وهنا يظهر عامل مهم: هناك بالفعل نوع من المهادنة، ليس فقط على مستوى الإنتاج، بل أيضاً على مستوى التلقي النقدي. ويمكن كذلك الإشارة إلى أفلام المخرج محمد مفتكر التي اتسمت بعمقها الفني والفكري، ومن بينها فيلم خريف التفاح الذي اعتبر نموذجاً لسينما مغربية راقية شكلاً ومضموناً. أؤمن بأن الشكل ليس مجرد وعاء، بل هو جزء من المضمون، وأن الأيديولوجيا لا تُقرأ خارج البنية الجمالية التي تُمرَّر عبرها. ما اللحظة المفصلية التي جعلتك تختار الصورة بدل النص الأدبي، والسينما بدل باقي الفنون؟ وهنا نشأت فجوة واضحة بين الجمهور المغربي وما يُقدَّم له سينمائياً؛ إذ غلب على بعض الأعمال هاجس الطرح الأيديولوجي على حساب البعد الفني والجمالي، فأصبحت الرسالة أسبق من الحكاية، والخطاب أسبق من الإبداع. هذا النوع من الخطاب لا يخدم السينما، لأنه يحرمها من المرآة الصادقة التي تكشف مكامن القوة والضعف معاً. ومن هنا تصبح مسألة الهوية في السينما مسألة جوهرية، لأن الصورة السينمائية تساهم في بناء تمثلات الناس عن أنفسهم وعن ثقافتهم وتاريخهم. وإذا غاب مشروع ثقافي واضح يعتبر الدراما رافعة للهوية والقيم، فإن النتيجة تكون أعمالاً لا تسهم في تعزيز الانتماء أو بناء وعي نقدي، بل قد تساهم في هدم القيم أو تفريغها من مضمونها. هذه العوامل مجتمعة تفسر التعثر، ولا يمكن معالجة أحدها بمعزل عن الآخر إذا أردنا دراما راقية تعكس هوية المجتمع وتزكي وعيه وقيمه. السينما في جوهرها حكاية تُروى بإتقان، وإذا اختلّ الأساس السردي، تعثّر العمل كله مهما كانت الإمكانات التقنية. فهو ليس مجرد تفكيك جمالي بارد لبنية الصورة، ولا هو فقط مساءلة أيديولوجية للخطاب، كما أنه ليس كتابة أدبية موازية تستعرض بلاغة الناقد أكثر مما تضيء الفيلم. وقد أثار هذا التحول انتقادات كثيرة تتعلق بغياب التكوين الأكاديمي السينمائي لدى بعض الممارسين، الأمر الذي قد يؤثر على مستوى الاحترافية والجودة الفنية. فحين يوجه الدعم أو تمرر الأعمال دون معايير صارمة للجودة والرسالة الثقافية، يفتح المجال أمام تشجيع الرداءة بشكل غير مباشر.
أولاً، هناك المستوى الفني والجمالي، وهو الأساس. وهذا ما جعل السينما الأمريكية قوة ثقافية ناعمة تؤثر في المخيال العالمي. ويظهر هذا التوجه بوضوح في مجمل أبحاثي المتواضعة، التي تندرج ضمن حقل الدراسات المقارنة بين الأدب والسينما، وهو اختيار لا يقتصر على بعده الجمالي فحسب، بل ينطوي أيضاً على موقف فكري، يهدف إلى إبراز أهمية الصورة في العصر الراهن، ودورها المحوري في تشكيل الوعي وتوجيه الرأي العام، فضلاً عن إسهامها في بناء المنظومات القيمية والفكرية داخل المجتمعات. وفي هذا الأفق، يصبح النقد السينمائي أكثر من مجرد ممارسة تحليلية، إنه فعل مقاومة ضد التبسيط، ضد الرداءة، ضد الصمت الذي يغلف الاختلالات. هل هو تفكيك جمالي للنص الفيلمي، أم مساءلة أيديولوجية للخطاب، أم كتابة إبداعية موازية للفيلم؟ فالنقد يبدأ من داخل النص الفيلمي: من اللغة البصرية، بناء اللقطات، حركة الكاميرا، الإيقاع، المونتاج، إدارة الممثلين، الموسيقى، وتشكيل الفضاء الدرامي. إلى أي حد تعتبر أن الناقد مطالب بتسلح معرفي عابر للتخصصات: فلسفة، سوسيولوجيا، تحليل نفسي؟ ويزداد هذا الضعف حين يتم تغليب منطق الإنتاج السريع والموسمي، حيث تصبح الدراما مجرد مادة لملء الشبكات البرامجية أو تحقيق نسب مشاهدة، لا مشروعاً فنياً متكاملاً. بهذه الروح فقط يمكن للنقد أن يؤدي دوره في الارتقاء بالسينما المغربية. يمكن مقاربة سؤال أزمة السينما المغربية من زاوية مركبة، بعيداً عن التبسيط أو اختزال الإشكال في عامل واحد. بالتالي، الإشكال الجوهري ليس مجرد ضعف في الكتابة، ولا مجرد أزمة رؤية، بل هو غياب مشروع ثقافي وطني واضح، في ظل هيمنة منطق تجاري وتوجهات تغريبية، وأزمة مخيال حقيقية. هل تعتقد أن هذا الوصف عادل؟ هذا المنحى لا يخدم تطور الفن، بل يساهم في تسطيح الوعي وإضعاف الحس النقدي لدى الجمهور. وفيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال، فإن اهتمامي لم يكن قائماً على المفاضلة بين الصورة السينمائية والنص الأدبي أو استبعاد أحدهما لصالح الآخر، بل انصبّ أساساً على دراسة العلاقة التكاملية بينهما، من خلال المقاربة المقارنة لعناصرهما التخييلية والفنية. هناك من يرى أن النقد السينمائي في المغرب يعيش أزمة جرأة، وأنه أصبح أقرب إلى المجاملة الثقافية منه إلى المواجهة الفكرية. ومع ذلك، يظل الرهان قائماً على أجيال جديدة من السينمائيين والنقاد القادرين على استعادة جرأة الطرح؛ لأن السينما في جوهرها لا تزدهر إلا حين تكون مرآة قلقة لمجتمعها، لا مجرد وسيط جمالي منزوع الدسم السياسي. الصورة ليست بريئة، والجمال ليس معزولاً عن السياق. تُتهم السينما المغربية أحياناً بأنها “سينما مهرجانات” أكثر منها سينما جمهور. أم أن المشكلة أعمق وتتعلق ببنية الإنتاج والتلقي والنقد معاً؟ هل ترى أن السينما المغربية ما تزال تبحث عن هويتها، أم أننا نبالغ في طرح هذا السؤال وكأنه قدر أبدي لهذه السينما؟ حين يستحضر الناقد مفاهيم من الفلسفة، يمكنه أن يلامس الأسئلة الوجودية والقيمية التي يقترحها العمل، وحين يستأنس بالسوسيولوجيا، يصبح أكثر قدرة على تفكيك تمثلات السلطة والهوية والطبقات والذاكرة الجماعية. من أبرز هذه الأعمال فيلم (الملائكة لا تحلق فوق الدار البيضاء) للمخرج محمد إسماعيل، الذي اعتبره كثير من النقاد تجربة سينمائية متميزة وحقق نجاحاً ملحوظاً. هذا التهرب لا يمكن فصله عن التخوف من انعكاسات محتملة على مساراتهم المهنية أو علاقتهم بالمؤسسات الثقافية الداعمة. أما حين يتحول إلى مجاملة دائمة أو إلى صمت مريب، فإنه يفقد وظيفته ويكرس الرداءة بدل أن يسهم في تجاوزها. ولا يقدم هذا الحوار على “هسبريس” أجوبة مرتبة، ولكنه يضع مساحة تفكير مفتوحة، نصاً يتنفس قلقه الخاص، ويقترح علينا أن نقرأ السينما لا بما تظهره فقط، ولكن بما تخفيه من صور مستترة ومن حكايا مشبعة بروح القراءات والتأويل والبحث عن الحقيقة. نص الحوار: رحلتك في النقد السينمائي لم تأتِ من فراغ. أعتقد فعلاً أن هناك أزمة سينمائية مغربية في تعاملها مع سؤال الهوية، وليس مجرد مبالغة نقدية في طرح هذا الموضوع. ومن هذا المنطلق، أرى أن الناقد يجب أن يقيم العمل الفني أولاً وأخيراً، لا صاحبه ولا منتجه ولا الجهة المسؤولة عنه. أنا أؤمن فعلاً بأهمية هذا المعطى، وقد اشتغلت في بعض مقالاتي السابقة على مقاربات نفسية وفلسفية وسوسيولوجية للأفلام، ووجدت أن هذا التعدد المعرفي يمنح القراءة مرونة واتساعاً، ويجنبها الاختزال، كما يسمح للناقد بأن يضع العمل في سياقاته المتعددة بدل حبسه في بعد جمالي صرف. أخيراً، بعد هذه الرحلة النقدية، هل ما زلت تؤمن بأن النقد قادر على التأثير في مسار السينما المغربية؟ العمل هو موضوع النقد، وهو الذي ينبغي أن يخضع للتحليل الفني والجمالي والإبداعي، بغض النظر عن مكانة صانعه أو حضوره الإعلامي أو علاقاته داخل الحقل الثقافي. أول هذه العوامل يتمثل في ضعف الكتابة السينمائية وتواضع النصوص. غير أن ما نلاحظه أحياناً هو نوع من الانبهار بالثقافة الغربية، أو الميل إلى تقليد نماذج سردية وجمالية مستوردة، دون إعادة صياغتها داخل السياق الثقافي المغربي. ليس بالضرورة لأن السينمائيين فقدوا حسهم النقدي، بل لأن المجال العام نفسه أصبح أكثر حساسية وتعقيداً. التيار الفرانكفوني تحديداً حاول في حالات عديدة تبيئة مفاهيم ورؤى نشأت في سياقات ثقافية مغايرة، من دون إعادة صياغتها بما ينسجم مع الخصوصية المغربية. هل توافق هذا الطرح؟ رابعاً، لا يمكن إغفال دور السياسات العمومية والاختيارات الرسمية. لو طُلب منك أن تختار ثلاثة تحولات كبرى عرفتها السينما المغربية خلال العقود الأخيرة، ما هي؟ أولاً، هناك فعلاً أزمة مخيال وكتابة واضحة في عدد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية. انطلاقاً من ذلك، يطرح السؤال نفسه: لماذا لا تسعى السينما المغربية بدورها إلى أن تكون مدافعة عن هويتها، وناشرة لقيمها وثقافتها وحضارتها (على غرار تعامل المخرج الكبير مصطفى العقاد مع التراث التاريخي والديني في أفلامه التي وصلت للعالمية مثلاً)؟ أما على المستوى الأكاديمي، فقد كان اللقاء الأول مع السينما في إطار علمي بتوجيه من أستاذي الراحل، الدكتور حميد المرابط، رحمه الله، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمرتيل، الذي وجّهني نحو استثمار هذا الشغف في البحث العلمي، من خلال الربط بين النص السينمائي والنص الأدبي، ولا سيما الرواية. في المقابل، ينبغي التأكيد أن النقد الحقيقي ليس هجوماً شخصياً ولا تصفية حسابات، كما أنه ليس تلميعاً مجانياً. في كتاباتك نلمس انحيازاً واضحاً لسؤال الهوية في السينما المغربية. الجمع بين المستويين هو ما يمنح النقد عمقه وصدقيته، ويجعله قادراً على مساءلة الصورة دون أن يفقد حساسيته الفنية. هذه الزوايا لا تعني إسقاط قوالب جاهزة على الفيلم، بل توسيع شبكة التأويل ومنح النص السينمائي عمقاً دلالياً أكبر. بمعنى آخر، السينما لم تفقد كلياً وظيفتها النقدية، لكنها أصبحت تمارسها ضمن حدود محسوبة وبلغة رمزية تفاوضية. يرجع اهتمامي بالسينما إلى مرحلة الدراسة الثانوية، حيث تشكّل لديّ منذ ذلك الحين شغف واضح بهذا الفن، تجلى في حرصي المنتظم على حضور فعاليات مهرجان مرتيل السينمائي ومهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط. لذلك، يبقى النقد قادراً على التأثير، شرط أن يتحلى بالجرأة والصدق، وأن يكون مبنياً على معرفة حقيقية، وأن يقطع الطريق على كل أشكال الرداءة والبلاهة التي يقودها بعض مؤثري شبكات التواصل الاجتماعي، ليظل صوت النقد مرجعية حقيقية للمبدعين والجمهور على حد سواء. النقد الحقيقي يملك القدرة على توجيه المشهد السينمائي، ليس عبر فرض وصاية على المنتج الفني، بل من خلال قراءة واعية ومعمقة تحلل النصوص السينمائية في أبعادها الجمالية والاجتماعية والفكرية، وتكشف عن مكامن القوة والضعف، وتفتح المجال أمام النقاش العملي والبناء. النقد في جوهره ممارسة معرفية وجمالية تقوم على التحليل والتأويل والتقويم.
