من الإنسان إلى “نقطة بيانات”

لم تعد المسافة بين الإنسان والعالم تُقاس بالخطوات، بل بدرجة انغماسه في شبكات من الصور والعلامات التي تعيد تشكيل وعيه دون أن يشعر. وهنا يستحضرنا فكر شيري توركل، التي ترى أن التكنولوجيا، بدل أن تقرّبنا، قد تدفعنا إلى “الوحدة معا”؛ حيث نكون متصلين على الدوام، لكن دون عمق في العلاقة أو صدق في الحضور. بل كيف نعيد إليهم القدرة على أن يكونوا ذواتا داخلها؟ فكما أشار جون بودريار، لم تعد الصور تحاكي الواقع، بل صارت تستبدل به، حتى أصبحنا نعيش في “فرط واقع” تُنتج فيه العلامات عالما أكثر حضورا من الحقيقة ذاتها. فالتكنولوجيا، في جوهرها، ليست قدرا، بل أداة؛ غير أن الخطر يبدأ حين تتحول الأداة إلى أفق، وحين يصبح الإنسان مجرد تابع داخل نظام لا يملك مفاتيح معناه. داخل هذا الفضاء الأزرق، لا يعود الطفل ذاتا تتشكل، بل يصبح موضوعا يُعاد تشكيله عبر خوارزميات خفية، تُحصي أنفاسه، وتعيد توجيه رغباته، وتُغريه بوهم الانتماء بينما تعمّق عزلته. كيف نستعيد معنى التربية كفعل إنساني عميق، لا كإجراء تقني أو رقابة سطحية؟ إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد تحوّل تقني، بل هو انقلاب في بنية الإدراك نفسه.

هناك فقط، حيث لا شيء محسوم، يبدأ الفكر في أن يكون فعلاً حراً، ويستعيد الإنسان قدرته على أن يصنع نفسه، لا كما يُراد له، بل كما يجرؤ أن يكون. وهنا لا يعود الخطر في المحتوى فقط، بل في البنية التي تُنتج هذا المحتوى وتفرض إيقاعه على الزمن النفسي للطفل، فتُسرّع من مون. في هذا الفضاء الرقمي الكثيف، ينشأ أبناؤنا داخل تدفق لا ينقطع من الأيقونات والتمثلات، حيث لا يُمنح لهم الوقت الكافي لبناء معنى متماسك لذواتهم، بل يُدفعون دفعا إلى استهلاك رموز جاهزة تُنتجها خوارزميات لا ترى فيهم سوى نقاط بيانات. وإذا كان زيغموند باومان قد وصف عالمنا بـ”الحداثة السائلة”، فإن سيولة العلاقات والمعاني اليوم بلغت حدا جعل الهوية نفسها قابلة للتبدل المستمر، دون جذور أو ثوابت، حيث يغدو الطفل كائنا معلقا بين صور لا تستقر، ورغبات لا تنتهي، ومعايير لا يملك أدوات نقدها. إن السؤال لم يعد: كيف نحمي أبناءنا من التكنولوجيا؟ فالأبناء اليوم لا يعيشون فقط تحت سطوة الشاشة، بل داخل بنية رمزية تُفرغ التجربة من أصالتها، وتحوّل الوجود إلى عرض دائم، والذات إلى ملف قابل للتحديث. إنها عزلة من نوع جديد، لا تُقاس بالبعد الفيزيائي، بل بانفصال الذات عن معناها. ربما لا يكمن الحل في مقاومة هذا العالم بقدر ما يكمن في إعادة تأويله، وفي استعادة الإنسان كمرجعية.

ووفق هذا المنظور، تنكشف غربة أبنائنا، إنها ليست غربة مكان، بل غربة معنى… غربة كائن لم يعد يعرف أين ينتهي هو، وأين تبدأ الصور. كيف نُعيد بناء الحس النقدي في مواجهة طوفان العلامات؟ فالمعنى لا يُمنح جاهزاً، ولا يُستعاد بالحنين، بل يُبنى في تلك المسافة الدقيقة بين الوعي والقلق، بين الانتماء والاختيار. لقد كانت الأسرة، في زمن قريب، فضاءً لإنتاج المعنى، حاضنة للقيم، ومجالا لتوارث الخبرة الإنسانية. لعل ما يحتاجه الإنسان اليوم ليس مزيداً من الإجابات، بل شجاعة طرح الأسئلة التي تُقلق يقينه وتُعيده إلى هشاشته الأولى. أما اليوم، فقد تراجعت أمام سلطة خفية تمارسها المنصات الرقمية، حيث لم تعد التربية فعلا واعيا بقدر ما أصبحت رد فعل متأخرا على تدفقات لا يمكن السيطرة عليها. وإذا كان بونغ شول ـ هان قد تحدّث عن “مجتمع الشفافية” و”جحيم التماثل”، فإن ما نراه في سلوك أبنائنا هو امتداد لهذا المنطق: ضغط مستمر نحو الظهور، نحو التشابه، نحو إنتاج نسخة مقبولة اجتماعيا، ولو على حساب التفرّد والعمق. إننا أمام انتقال من “تربية الحضور” إلى “تربية الغياب”، حيث يغيب الكبار، ليس جسدا، بل دورا ووظيفة، ويُترك الأبناء ليتشكلوا داخل اقتصاد الانتباه الذي لا يعترف إلا بما يُستهلك بسرعة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *