قالت ماريا غابرييل، مساعدة المدير العام لليونسكو لشؤون الاتصال والمعلومات، إن “السؤال لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يغير مجتمعاتنا، بل هل نحن من يوجّه هذا التحول أم أننا نُساق إليه؟” مضيفة أن “هذا التحول يفرض التفكير في سبل تأطيره بما يخدم الإنسان ويصون حقوقه”. وأوضحت الأصبحي أن “الإيسيسكو” اشتغلت في هذا المجال على ثلاثة مستويات رئيسية؛ أولها التأطير الأخلاقي، مشيرة إلى “ميثاق الرياض لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي” الذي اعتُمد سنة 2024، ويتضمن مجموعة من المبادئ والتوصيات”؛ كما أبرزت أن هذا الميثاق صاغه خبراء من دول العالم الإسلامي في آسيا والمنطقة العربية وإفريقيا، بعد عمل امتد لأربع سنوات من الورش واللقاءات، بهدف صون الخصوصية الثقافية وضمان استفادة بلدان العالم الإسلامي من فرص الذكاء الاصطناعي في نشر المعرفة وتبادلها. وأكد المستشار نفسه في هذا السياق أن اليونسكو تعمل على تشجيع مختلف شركائها، من مؤسسات حكومية وهيئات وطنية، إلى جانب وسائل الإعلام وقطاع التعليم والباحثين والصحفيين، على الاضطلاع بالدور العمومي الأساسي للصحافة، مشدداً على أن جوهر العمل الصحفي يتمثل في تقديم معلومات دقيقة وموثوقة تُمكّن المواطنين من اتخاذ قرارات أفضل، بغض النظر عن طبيعة التكنولوجيا المستخدمة، مع ضرورة الحفاظ على أسس العمل الصحفي القائمة على طرح الأسئلة الجوهرية والتفكير النقدي، واحترام حقوق الإنسان، والإيمان الراسخ بحرية التعبير والرأي.
وأضافت غابرييل أمس الأحد خلال ندوة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ضمن فعاليات الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب حول “الذكاء الاصطناعي رافعة للثقافة والتنمية”، أن هذا الذكاء دخل بالفعل إلى قطاع العدالة في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك المغرب، حيث يُستخدم من قبل القضاة ووكلاء الملك والمحامين في مجالات البحث والترجمة وصياغة الوثائق وتدبير القضايا، بل ويسهم في بعض الحالات في تقييم المخاطر وتحديد العقوبات. وزادت المتحدثة أن المحور الثاني يتعلق ببناء القدرات، من خلال مبادرات متعددة من بينها كرسي أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في سلطنة عُمان، إلى جانب تنظيم برامج وندوات حضورية وعن بُعد تستهدف تأهيل الشباب والمتخصصين وتعزيز كفاءاتهم في هذا المجال المتسارع. وتطرقت المتحدثة كذلك، ضمن مداخلة مصورة شاركت بها في اللقاء عن بعد، إلى احتمال إضعاف ضمانات المحاكمة العادلة نتيجة الإفراط في الأتمتة، مشددة على أن المبدأ يجب أن يكون واضحاً، وهو أن يعزز الذكاء الاصطناعي العدالة وحقوق الإنسان لا أن يقوضها، وتابعت: “في ما يتعلق بحرية التعبير فإن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً جديدة للإبداع ويضخم الأصوات، لكنه في الوقت ذاته يسرّع انتشار المحتوى الاصطناعي والمضلل، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة”.
ولفتت المسؤولة ذاتها إلى أن الدراسة العالمية لليونسكو تكشف عن فجوة مقلقة تتمثل في تسارع هذا التحول بوتيرة تفوق تطوير الضمانات والتكوين والأطر القانونية اللازمة لتأطيره، مؤكدة أن هذه التكنولوجيا توفر مزايا حقيقية، من بينها تقليص تراكم القضايا وتوسيع الولوج إلى المعلومات القانونية وجعل العدالة أكثر نجاعة وشمولية، لكنها في المقابل تنطوي على مخاطر، من قبيل تعزيز الخوارزميات المنحازة لأشكال التمييز، وتقويض الأنظمة غير الشفافة لمبدأ الإنصاف. وفي السياق ذاته أوضح المتحدث أن النماذج اللغوية الكبرى تُدرّب أساساً على بيانات غير عربية، ذات طابع أمريكي في الغالب، وهو ما ينعكس على طبيعة المخرجات التي تقدمها، حتى عند التفاعل معها باللغة العربية؛ إذ تعمل في كثير من الأحيان كـ”مرآة” تعكس ما يُطلب منها دون فهم عميق للسياق الثقافي، خالصاً إلى أن هذا الواقع يبرز أهمية تطوير محتوى عربي غني ومؤطر، لضمان حضور فعّال للغة والثقافة العربية في منظومة الذكاء الاصطناعي. أما رنا الأصبحي، الخبيرة في إدارة الشؤون القانونية والمعايير الدولية بمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، فأفادت بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة، بل أصبح فاعلاً حقيقياً في إنتاج المعرفة، مؤكدة أننا لا نعيش مجرد ثورة إلكترونية جديدة، بل حقبة جديدة في صناعة المعرفة، ومضيفةً أن الحديث عن الثقافة في هذا السياق يكتسي حساسية خاصة، باعتبارها ليست مجرد معلومات، بل تمثل هوية ولغة، ما يفرض تحقيق توازن دقيق بين “أنسنة” الثقافة وتوظيف التقنيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، كرافعة حقيقية لتعزيزها.
