تسجل الذاكرة النضالية الأمازيغية حدثا بارزا دارت أطواره خلال احتفالات فاتح ماي 1994، حيث تم اعتقال مجموعة من نشطاء جمعية “تليلي”، على خلفية مشاركتهم في هذه الاحتفالات ورفعهم مطالب تتصل بالديمقراطية وبترسيم الأمازيغية في الدستور. في ضوء ما سبق، يتبين أن خطاب 20 غشت 1994 لم يكن حدثا معزولا، بل شكل لحظة مفصلية ضمن مسار طويل ومعقد في علاقة الدولة بسؤال الأمازيغية. وقد وجهت إليهم تهم ثقيلة من قبيل المس بأمن الدولة والإخلال بالنظام العام، وصدر في حق بعضهم أحكام سجنية، قبل أن تتحول القضية سريعا إلى قضية رأي عام ذات صدى دولي، بفعل تعبئة واسعة شملت مئات المحامين، وتحركات منظمات حقوقية دولية، في مقدمتها منظمة العفو الدولية، إلى جانب دعم نشطاء أمازيغ في المهجر. فالخطاب يؤسس لعلاقة تكامل بين العربية، بوصفها لغة الدين والوحدة الرمزية، وبين اللهجات باعتبارها تعبيرا عن التعدد التاريخي والثقافي والجغرافي للمغرب. ضمن هذا السياق المشحون، أعلن الراحل الملك الحسن الثاني عن إمكانية إدماج ما سماه بـ“اللهجات الأمازيغية” في المنظومة التعليمية. فهي لم تكن فلسفة إنكار مطلق، بقدر ما كانت مقاربة سياسية حذرة، تتحرك ضمن منطق الضبط والاحتواء، أكثر مما تنبني على الاعتراف الصريح والتكريس المؤسساتي. ويزداد هذا المعنى وضوحا من خلال مضامين الخطاب نفسه، حيث اعتبر الملك أن “الخلط واجب ومستحب وضروري بين العربية ولهجاتنا”، معبرا عن تفضيله لسماع الطفل المغربي يمزج بين العربية وتاريفيت أو تامازيغت أو تشلحيت، بدل الخلط بين العربية واللغات الأجنبية كالفرنسية أو الإسبانية. ومع ذلك، فإن هذه المرحلة، رغم أهميتها الرمزية، ظلت محدودة الأثر من حيث التنزيل العملي، إذ لم تعرف الأمازيغية إدماجا فعليًا في السياسات العمومية إلا خلال مرحلة لاحقة، خاصة مع التحولات النوعية التي شهدها المغرب في عهد الملك محمد السادس، بدءا من “خطاب أجدير” سنة 2001، الذي شكل منعطفًا حاسما في مسار الاعتراف المؤسساتي بالأمازيغية، وصولا إلى دسترتها كلغة رسمية في دستور 2011، وما أعقب ذلك من خطوات هامة لتفعيل طابعها الرسمي، من بينها إقرار رأس “السنة الأمازيغية” عطلة رسمية مؤدى عنها، على غرار فاتح محرم من السنة الهجرية ورأس السنة الميلادية. وبهذا المعنى، لا تُفهم اللهجات فقط كأدوات تواصل، بل كحامل للذاكرة الجماعية، ورافعة للخصوصيات المحلية، وآلية من آليات صيانة الهوية في سياق تحولات لغوية وثقافية متسارعة.
وتأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن فلسفة الملك الراحل الحسن الثاني تجاه الأمازيغية كانت محكومة بهاجس التوازن بين الحفاظ على وحدة الدولة ومقوماتها الرمزية، وبين الاستجابة التدريجية لمطالب الاعتراف الثقافي. ومن هذا المنظور، يبدو خطاب 20 غشت 1994 تعبيرا عن لحظة انتقالية كاشفة، أبرزت حدود المقاربة التقليدية، ومهدت، ولو بشكل غير مباشر، للتحولات العميقة التي سيعرفها سؤال الأمازيغية في المغرب لاحقا، في اتجاه الاعتراف الدستوري والمؤسساتي، ضمن أفق بناء هوية وطنية متعددة، منفتحة ومتوازنة. وفي ظل هذا المناخ، صدرت مجموعة من البيانات الاحتجاجية المنددة بالاعتقال، والمطالِبة بالإفراج عن المعتقلين، وهو ما تم بالفعل لاحقا. وقد جاءت هذه التطورات ضمن السياق الذي حكم خطاب الملك الراحل الحسن الثاني بمناسبة 20 غشت 1994، والذي شكل محطة مفصلية في مسار تفاعل الدولة مع سؤال الأمازيغية، ليس فقط من حيث مضمونه، بل أيضا بالنظر إلى السياق السياسي والحقوقي الذي أُنتج فيه، والذي اتسم بتوترات واضحة بين السلطة والحركة الأمازيغية في طور تشكلها آنذاك. إن فهم هذه اللحظة التاريخية يظل ضروريا لاستيعاب دينامية تطور سؤال الأمازيغية في المغرب، باعتبارها نموذجا لكيفية تدبير الدولة للتعدد الثقافي واللغوي، بين منطق الاحتواء التدريجي ومنطق الاعتراف المؤسساتي، في أفق بناء هوية وطنية منفتحة ومتوازنة. وهو ما يكشف أن الأمازيغية، في تصوره، تندرج ضمن المجال اللغوي الوطني الداخلي، في مقابل اللغات الأجنبية المرتبطة بالتأثيرات الخارجية. وبهذا المعنى، يقر الملك الحسن الثاني في خطابه الشهير سنة 1994 بمكانة اللهجات باعتبارها مكوّنا بنيويا في الهوية الوطنية، يعكس التعدد التاريخي والثقافي، ويضطلع بوظيفة تكاملية مع العربية، فضلا عن دوره في تحصين الشخصية الوطنية من الذوبان في اللغات الأجنبية والتبعية اللغوية للخارج. ثانيا، مرحلة الحذر والتوجس، والتي برزت مع بداية تشكل مطالب أمازيغية أكثر تنظيما منذ ثمانينيات القرن الماضي، خاصة في أعقاب أحداث “الربيع الأمازيغي” بالجزائر سنة 1980، حيث تعاملت الدولة مع هذه المطالب بمنطق التحفظ، خشية أن تنزلق نحو مطالب هوياتية قد تُفهم كتهديد للوحدة الوطنية. وإذا ما عدنا إلى تمثلات الملك الحسن الثاني للأمازيغية قبل هذا الخطاب، كما تم تفصيلها في مؤلف سابق صدر لنا بعنوان “المسألة الأمازيغية بالمغرب: من المأسسة إلى الدسترة” سنة 2023، يتضح أنها مرت عبر ثلاث مراحل أساسية: أولا، مرحلة الإنكار الضمني أو التهميش، حيث ساد منذ الاستقلال تصور للهوية الوطنية قائم على ثنائية العربية والإسلام، في إطار مشروع بناء الدولة الوطنية، وهو ما أفضى إلى تغييب الأمازيغية من الحيز الرسمي، سواء على مستوى السياسات العمومية أو النصوص الدستورية.
كما أشار إلى التفكير في إدماج “تعليم اللهجات” ضمن البرامج الدراسية، مؤكدا أن هذه اللهجات “شاركت لغة الضاد، لغة القرآن الكريم، في صنع تاريخ المغرب وأمجاده”، وهو ما يعكس رؤية تقوم على إدماج الأمازيغية داخل نسق لغوي وثقافي تقوده العربية، باعتبارها لغة الدين والوحدة، بينما تمنح الأمازيغية مكانة داعمة ضمن هذا البناء. ثالثا، مرحلة الانفتاح النسبي ومحاولة الإدماج، والتي تجلت بشكل أوضح في خطاب 1994، وفي بعض الإشارات اللاحقة التي عكست وعيًا متزايدا بضرورة إدماج الأمازيغية ضمن المشروع الوطني؛ ذلك أن الملك الراحل الحسن الثاني سبق أن دعا الأستاذ عبد الله ساعف، وزير التعليم آنذاك، إلى التفكير في إدماج الأمازيغية في المنظومة التربوية. فقد عبر هذا الخطاب عن بداية انتقال تدريجي من منطق التهميش أو الحذر إلى منطق الانفتاح النسبي، وإن ظل محكوما بسقف سياسي وثقافي يوازن بين مطلب الاعتراف وهاجس الحفاظ على وحدة الدولة. وقد اعتبر هذا الإعلان، في حينه، تحولا لافتا في الخطاب الرسمي، لكنه عكس في الآن ذاته مقاربة حذرة ومتحفظة، سواء من حيث التسمية التي تدرج الأمازيغية ضمن “اللهجات”، أو من حيث غياب إجراءات عملية وفورية لتنزيل هذا التوجه، الأمر الذي جعل العديد من المتتبعين ينظرون إليه كخطوة لاحتواء الاحتقان أكثر من كونه تعبيرا عن تحول استراتيجي مكتمل. كما عرفت هذه القضية أشكالا من التضامن العابر للحدود، من بينها الاعتصام الذي قاده الزعيم القبائلي فرحات مهني، بمشاركة شخصيات من رموز الحركة الأمازيغية في الجزائر، وهو ما ساهم في تدويل الملف وتعزيز الضغط على السلطات المغربية. وتأسيسا على ذلك، تتحول اللهجات إلى تجسيد حي لوحدة قائمة على التنوع، لا على الإلغاء أو التنميط، بما يجعلها عنصرا فاعلا في إنتاج التاريخ الوطني واستمراريته. كما يمنحها الخطاب وظيفة حمائية، إذ يفضل توظيفها في التداول اليومي والتنشئة اللغوية بدل الارتهان للخلط مع اللغات الأجنبية، الذي يُنظر إليه كتهديد للانسجام الثقافي. لكن رغم محدودية أثر هذا التحول على مستوى التنزيل العملي آنذاك، فإنه مهد، بشكل غير مباشر، لمرحلة جديدة ستتبلور معالمها مع التحولات التي عرفها المغرب لاحقا، حيث تم الانتقال إلى مستوى أعمق من الاعتراف، توج بدسترة الأمازيغية كلغة رسمية، وتفعيل حضورها في السياسات العمومية. ومن هذا المنطلق، يظهر ان الملك الراحل الحسن الثاني يفهم اللهجات ضمن تصور شمولي للهوية المغربية، حيث لا يُنزلها في مرتبة دنيا مقارنة باللغة العربية، بل يدرجها ضمن مقومات “الأصالة” التي تشكل البنية العميقة للشخصية الوطنية.
