بيضة السياسي وريح الريع

ثمة نصوص لا تُكتب لتُقرأ فقط، وإنما لتوقظ في اللغة ارتجافها الأول، ذلك الارتجاف الذي يحدث حين تقترب الفكرة من جسدها الحقيقي، دون أن تلبس القناع بالكامل. وفي الجهة الأخرى، كان السياسي يشبه فكرة أكثر مما يشبه رجلًا، لا يُرى كاملًا، ولكن يُفهم من ترحاله. فتعلّمت من السلطعون أن بعض القلوب لا تنجو إلا إذا حملت جراحها معها، دون أن تنتظر معجزة. أم أنها، في النهاية، لا تفعل سوى تأجيل السقوط؟ فهل يمكن للكلمات أن تحمي ما لا يُرى؟ وحين يُسأل، يبتسم، لأن الإجابة الحقيقية لا تُقال، فهي تُمارس. وفي آخر الليل، حين هدأ كل شيء، بقيت الحسرة وحدها، تروي حكاية حب ضاع بين المكر والوعد والغياب. لا يسرق في العلن، ولكنه يعيد ترتيب الأشياء بحيث تصل إليه دون أن يمد يده. لكنها رحلت، وتركتني في مدينةٍ من الندم، لا أبواب لها ولا نوافذ، فقط صدى خطواتي. ذات مساء، حين غابت الشمس، تركتُ قلبها وحيدًا، كما يترك الزرزور عشه بعد أن يملأه بما لا يملك. فقد أجهضت الأحلام قبل أن تنطق، وتركت في صدري ألمًا يشبه صمت الطرقات بعد المطر. وفي زاوية الذاكرة، كانت الحبيبة تبتعد، خفيفة كنسمةٍ لا تُمسك، تاركة خلفها ارتباك الحلم. فقد كان البحر حوله واسعًا، لكنه بدا أصغر من صبره، وأضيق من قدرته على الامتداد. هو سرق حجارة وشوارع وأحلام شباب وأزهار نساء…، وأنا أعشق قلبًا كان يسكنني قبل أن أسكنه. لعن الناس ذلك السياسي، أما أنا فلم يلعنني أحد، أحارب عزلة وفراغًا فقط؛ وهذا أشد قسوة. ولماذا لا ينجو ما نحبه إلا إذا تعلمنا أن نحمله كجرحٍ حيّ، لا كفكرة جميلة؟ لم يكن يظهر كثيرًا، لكن أثره كان في كل مكان، في الطرقات المتعبة، وفي الوجوه التي فقدت دهشتها. كان المشهد يوشي بالتأمل، كأن الجمال نفسه يواسي خيبة لا تُقال. كان يجمع النفوذ دون أن يمد يده، يترك الأشياء تأتيه كما لو أنها تعرف طريقها إليه. وأجهضت ما بيننا دون ضجيج، وتركت خلفها ألمًا مالحًا يشبه البحر حين يغضب. وتعلمت من السياسي أن الوعود التي لا تُحتضن بدفء تموت قبل أن تولد، مهما بدت جميلة. سرقات الزرزور كانت تحبني كما يحب الزرزور عشبةً سرقها من حافة الحقل، بخفةٍ وذنبٍ لذيذ، كما يستهويه سرقة الأعشاش بكل ما فيها. وكنت أسير ببطء، أحمل في داخلي ضجيجًا لا يسمعه أحد، وأرتّب خساراتي كما تُرتّب الأوراق القديمة. وفي زاوية أخرى من الحكاية، كانت حبيبتي تبتسم لوعودٍ لم تولد بعد، ولشعارات ترفع، ثم في أول منعطف تذكّرت كل شيء ورحلت. وكان يستعد لذلك الحدث قبل أن يحدث.

وقال في سره: إن الحماية ليست وعدًا، ولكنها صبرٌ يلتصق بالجسد حتى الألم، وكل خطوة نحو البحر اعترافٌ بالخوف. فقد كتبت وكتب، على حافة الزبد، ذاكرة الحيتان الجشعة، تلك التي تبتلع كل شيء ولا تشبع، كأنها تعرف سر هذا العالم. لم يكن يظهر في كل مكان، لكن أثره كان في كل زاوية، في كل قرار، في كل تأجيل مقصود. معزوفة الغبن في مدينةٍ تتنفس الخوف بصمت، كان السياسي يتحرك في العتمة، يلتقط ما يتساقط من أحلام الناس ويخزنه في جيوب لا تُرى. وأن تكون سلطة السياسي ظلًا يبتلع الضوء دون أن يُرى، وأن تكون الأحلام أشياء صغيرة قابلة للكسر عند أول منعطف؟ وعلى الشاطئ وقف السياسي يلوّح ببيضةٍ لا تفقس، يعد الناس بأسرابٍ من الفراخ، ويبتسم لفراغٍ لا يسمع. وكانت عيونها تلمع بمكرٍ قديم، ذلك المكر الذي يتسلل حتى إلى القلوب التي صدّقت يومًا النقاء. تلاشت البيضة في هواءٍ بارد، ولم يبقَ سوى أثرٍ صغير يشبه حسرةً لا تُقال. وفي مدينةٍ لا تنام، كان السياسي يتكلم كثيرًا ويخفي أكثر، ينسج، يحيط، ويلتف، ويوزع وعوده كما تُوزع الظلال عند الغروب. فقد سافرت بعيدًا، كأنها تهرب منّي ومن المدينة ومن ظل ذلك الرجل الذي لا يُرى. وأنا، بقيت أراقب الحيوات وهي تمر، وجوهًا تتبدل، وخيبات تتشابه، وكأن العالم يعيد نفسه بلا خجل. وأدركت أن سرقات المدن وأحلامها أشد قبحًا من خطب رنانة لا تُعيدها السنوات، وأن بعض القلوب -كما المدن- إذا سُرقت، لا تموت في الطريق، ولكنها تتعافى مع الأيام… ريح الريع في ليلٍ كثيف، كانت الضباع تتقاسم غنيمتها بضحكاتٍ مكسورة، كأنها تعرف أن الجوع لا يشبع مهما كثر اللحم. وأنا كنت أظن أن الحب لا يُسرق، وإنما يُوهب. لم يكن يحتاج إلى ضوء، فالعتمة كانت بيته، ومنها ينسج حضوره الخفي. وهناك، على الهامش، كان السياسي يلتهم نصيبه بصمت الريع وريح الريع، يعدُ الجميع بموائد عامرة، لكنه لا يترك فتاتًا لأحد. فقد أدارت ظهرها للأيام الخوالي، للضحكات، لأيامٍ كانت فيها المدينة أوسع من الحزن وأقرب إلى القلب. كان صوته عاليًا، لكن البيضة باردة، كأنها لا تصدّق من يكثر الكلام ويقلّ الفعل. كان يجمع ما يتساقط، لا يبدده، يخزنه بصبر طويل، كأن العالم على حافة مجاعة. وفي الليل، بين صوت البحر وذكريات العشق البعيد، أدركت أن ما نحميه هو ما يبقى، وما نهمله يتحول إلى قصة لا تُنسى وإنما تُؤلم. وكل ذراع تعرف طريقها، تلامس، تلتف، ثم تعود دون أثر واضح، كأن السيطرة تُمارس بلا إعلان. فسمعتُ يومًا عن سياسي سرق مدينةً بأكملها بكل ما فيها، فابتسمتُ بمرارة، لأنني أدركت أن السرقة لا تُقاس بالحجم ولكن بالأثر. وفي ليل تلك المدينة، البحر نفسه بحر، وكأن ذلك الرجل ليس إلا امتدادًا خفيًا لأذرع لا تنتهي، تتحرك في صمت، وتُحكم قبضتها دون أن يشعر بها أحد. أما أنا فكنت أتذكر بيضة الحبيبة، تلك التي حملناها معًا في جيوب الحلم، وفي لذة الشعارات والهتافات، ثم تركتها عند أول منعطف ومضت. وحين يبتسم للمرة الثانية، كأن الحقيقة لا تُقال، ولكنها تُدار من خلف ستار لا يُرفع وبلغة الإشارات. بيضة السياسي في المساء الرطب، كان السلطعون يسير ببطء حاملاً بيضه كأنه يحمل قلبه خارج صدره، لا يتركه رغم ثقل الموج.

فهي لم تلتفت، كأن الحب كان مجرد محطة عابرة في قطار لا يتوقف. وكنت أراقب كل ذلك، وأشعر أن الحب مثل الغنيمة، إن لم يُحمَ، تفرّق بين الأيادي الجائعة. ولم يكن بطلاً في الحكاية، ولا حتى خصمًا واضحًا، وإنما أثرًا خفيًا، علامة على أن هناك شيئًا يتحرك دون أن يُكشف. وأدارت ظهرها للأحلام والرومانسيات، وللضحكات الخفيفة، لأيامٍ كنا نصدق فيها أن أحلام الحب والتغيير تكبر مثل الضوء. فقد سافرت بعيدًا، كأن الأحلام كانت حمولة زائدة ألقتها في أول ميناء. وفي العتمة التي لا يلتفت إليها أحد، كان الجرذ يمارس طقسه اليومي، لا استعجال في خطواته، ولا ضجيج في حضوره، فقط حركة دقيقة تشبه الهمس، كأنه يعرف أن البقاء لا يحتاج إلى قوة، وإنما إلى خفة لا تُرى. تضحك الضباع وتضحك، والسياسي يعد، والحبيبة تمضي، وأنا أتعلم أن الأشياء الجميلة لا تعود. لأنني بقيت حيًا، أحمل ذنبي بصمت، وأعدّ خسائري كمن يعدّ أوراق خريفٍ لا ينتهي. غادرت كما يغادر الريح ريحه، لا أثر يُمسك، ولا صوت يُعاد، فقط فراغٌ يتسع. مرت السنوات، وصار صوتها في ذاكرتي كخفق جناحين ضائعين، يذكرني بأنني لم أكن سوى عاشق لحظة، لا حارس عمر. كانت تقول لي: “الحب أمانة”، و”الموقف أمانة”، و”السياسة أمانة”، وكنت أضحك، كما يضحك الزرزور وهو يهرب بعشب غيره. وأكمل طريقي، كأنني أكتب مقاطع متكسرة من معزوفة الغبن، لا تُعزف، لكنها لا تنتهي. وهنا، لا تبدأ الحكاية من حدث، وإنما من إحساسٍ متشقق، بين البيضة التي تُحمَل كخوفٍ ناعم، والوعد الذي يتكسر قبل أن يكتمل شكله في الهواء. وهكذا، دون أن يلتقيا، كان الاثنان يكتبان القصة نفسها، أحدهما في العتمة، والآخر تحت الضوء، لكن كلاهما يعرف أن ما يُخزن في الظل هو ما يحكم النهاية. كان يجمع كل شيء: المال، النفوذ، وحتى الخوف، كأن الجشع عنده ذاكرة لا تنسى. ويجمع النفوذ كما تُجمع الأسرار، بهدوء، دون إعلان، كأن السلطة عنده ليست فعلًا ظاهرًا، وإنما شبكة من الخيوط الدقيقة التي لا تُلمس. وما معنى أن يكون الحملُ صبرًا، لا وعدًا؟ أما أنا، فكنت أسير بالقرب من الماء، أراقب الموج وهو يبتلع حكاياته ثم يعيدها ناقصة. مدينة لا تنام في عمقٍ لا تصله العيون، كان الأخطبوط يفتح أذرعه ببطء، كأنه يقرأ الماء قبل أن يلمسه. كان يقول: إن الغد مليء بالمنجزات، لكن الغد نفسه كان جائعًا ينتظر وعدًا لا يأتي. يتكلم كثيرًا، لكن حضوره الحقيقي يسكن ما بين الكلمات، في تلك المساحات التي لا تُقال. وحين يبتسم، تشعر أن ابتسامته ليست له وحده، فهي لكل تلك الأذرع التي تعمل بصمت. لماذا تبدو الأشياء التي نُسميها “بسيطة” هي الأكثر قابلية للفقدان؟ وفي الجهة الأخرى، كانت حبيبتي تعدني بمدن لا تخون، لكنها في أول فرصة تذكّرت كل الوعود ورحلت.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *