أفاد عبد الوهاب الرامي، الأكاديمي البارز أستاذ الصحافة بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، بأن ما وقع في كأس إفريقيا للأمم “المغرب 2025” وتوتر التمثلات الذي رافق تنظيم البلد للعرس الكروي القاري، يحيل بالضرورة إلى “صراع الواقعة والسردية”، موردا أنه “أحيانا تكون هناك سرديات، لكن الوقائع تكذبها، وبالتالي ننتقل ضمنيا إلى سردية أخرى، على أساس أن السرديات قد تكون متناسلة”. ولذلك، يجب تثقيف الفرد على هذا المستوى، حتى يخلق حواضن لبنيات ذهنية قادرة على مواجهة الأفكار القائمة، وهذا هو الأساس في بناء الديمقراطية”. لذلك، مشكلتنا اليوم هي قضية الصورة؛ فقتل الكلاب، مثلا، قد يمر كخبر عادي لا ينتبه إليه أغلب الناس، لكن الصورة تخلق معادلا موضوعيا يجعلك تتماهى مع الحدث”، قبل أن يستحضر حادثة القنيطرة وقال: “لو قرأنا خبرا يقول إن سائقا اعتدى على آخر لمر الأمر ببساطة، لكن حين يرى الناس الفيديو، والعصا، وطريقة الاعتداء، يشعر المتلقي وكأنه هو من تعرض للضرب”. ولهذا، يخلص الأكاديمي ذاته إلى أن “الصورة اليوم قوة هائلة” لأنها تصنع الأثر، مستدعيا مثالا آخر يتعلق بالطفل السوري آلان كردي، موردا: “لو قيل فقط إن طفلا سوريا مات في الهجرة، لما كان للأمر ذلك الأثر”؛ ففي النهاية ما يود بنكراد التعبير عنه هو أن “السردية الوطنية تحتاج إلى وعي. وأوضح الخبير في الإعلام أن ارتباط السرديات في العصر الراهن بهذا الحقل يتعلق بكونها بالأساس وجهة نظر أو موقفا أو استقراء من طرف وسائل الإعلام، بيد أنها يمكن أن تتأسس على أربعة عناصر أساسية تمثل بنيتها؛ أولها الإطار العام للسردية المرتبط بتصورات يمكن إشاعتها في الرأي العام، وكذا الخطاب بكونه الأساس بمختلف تجلياته، سواء أكان مكتوبا أم مصورا أم مرئيا، أو كلاما يُلقى في إطار برنامج انتخابي.
وتطرق أستاذ الصحافة إلى إمكانية وجود سرديات مختلفة في بلد واحد، على غرار المغرب الذي قد يفرز سردية حول الأمن والاستقرار والوطن من جهة، وحقوق الإنسان والأفراد والجماعات من جهة أخرى، معتبرا أن “السرديات يمكن أن توضع في الميزان بقدر انسجامها الداخلي، وبمدى قدرتها على التعايش مع بقية السرديات؛ لكون الجديرة هي التي لا تدخل في تناحر دائم، بل تتجاور مع غيرها”. وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن “الأرقام عابرة في ذاكرة الناس، أما الصورة فترتبط بوضعيات معينة. أحيانا تُلتقط صورة غير مكتملة لملعب ما أثناء الأشغال، فتُقدم وكأنها فضيحة، بينما الأمر طبيعي في سياق البناء، لكن الصورة تُقتطع وتُستعمل لتغذية سردية معينة، وقد استثمرها الإعلام الجزائري وقد تُستعمل في سياق التحضير لكأس العالم”. ما يسمى السلطة الخامسة، يتوفر على توقيعه منها، في الغالب لديه تحركات تفاعلية، بل انفعالية أحيانا. من جانبه، وضع الأكاديمي البارز عالم السيميائيات المغربي سعيد بنكراد فكرة “الوقائع” في حد ذاتها في ورشة إعادة النظر، لكونها “مبنية وليست معطى جاهزا”، وقال: “نحن نبني الوقائع استنادا إلى نظرتنا الخاصة.
وأشار الرامي في ندوة حول “صراع السرديات وصناعة الرأي العام” نُظمت ضمن الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، اليوم السبت، إلى أن السرديات يكون لها “في بعض الأحيان، بل في كثير منها، بعدٌ إيديولوجي، لكونها تتطور”، مبرزا أنها “تقدم إطارا عاما، وداخله يمكن أن يشتغل الخطاب بوصفه التعبير الظاهر لها، مع أنه يتعين الانتباه إلى كون لفظ ‘السردية’ أتى من حقلي السياسة والإعلام”. حدثٌ ما قد نراه جميعا، لكن كل واحد يسرده بطريقته الخاصة، وبالتالي ليست هناك وقائع خام جامدة”، منوها في هذا الجانب بالسرد الخاص أو “Storytelling”. وسجل كذلك وجود سرديات إعلامية، معتبرا أن مشكلتها تكمن في ضرورة ألا تكون تابعة للتصورات السياسية أو مختزلة في أجنداتها، وتساءل: “وسط كل هذا، أين سرديات الرأي العام؟
