شَالَّة على قائمة الطعام

أيُّ عبقرية هذه التي تقف أمام شالة، فلا ترى مدينةً حفرت أسماءها في طبقات الزمن، وهي ترفع حجارتها من عمق الأرض كأنها شهادة ضد النسيان، ولا ترى الأسوار المرينية وهي تحرس ما بقيَ من هيبة دولة عبرَت من هنا، ولا ترى الصومعة، والأضرحة، والأبواب، والأقواس، واللقالق التي اتخذت من المكان عرشاً فوق آثار أزمنة غابرة؟ أحياناً يأتي ببدلة أنيقة، يحمل دراسةَ جدوى، ويتحدث عن الجاذبية السياحية. يرفع حاجبَه الحجريّ، ينظر إلى الطاولات، إلى الكراسي، إلى الإنارة الدافئة، إلى النادل الذي يعبر بين شواهد الزمن كأنه يعبرُ ردهة فندق، ثم يهمسُ بسخرية سوداء: “عشتُ حروباً، ودولاً، وخرائب، وزلازل، ونسياناً طويلاً، وها أنا أواجه أخيراً طبقاً رئيسياً مع تحلية”. تقول شالة للحاضر: استَحِ قليلاً، لا لأنني هشّة، وإنما لأنك أنتَ شديدُ الصغر أمام ما لا تفهمهُ. ومع ذلك، يأتي الحاضر الذكي جدّاً، الحاضر الذي قرأ كتيّب التسويق أكثر مما قرأ التاريخ، ويقترح حلاً عبقرياً: مطعمٌ داخلَ الأثر. في النهاية، لا تكمن الفضيحة في وجود مطعم وحده؛ الفضيحةُ في العقل الذي يرى الأثرَ ناقصاً ما لم يتحوّل إلى منتج، وفي الذوق الذي لا يحتمل التاريخ إلا إذا قدّمه على صحن. يقول: “نحن نُنعش الموقع”، “نحن نقرّب التراث من الجمهور”؛ والجمهور، المسكين، يدخل أحياناً كي يرى الأثر، فيجد نفسه أمام أثرٍ يتعلّمُ خدمة الزبائن. شالة تطلبُ شيئاً أبسط وأصعبَ في الوقت نفسه: أن يدخلَ الناس إليها بوعي، لا بشهية استهلاكية، وأن ينظروا إلى حجارتها كذاكرة، لا كديكور، وأن يفهموا أن التاريخ لا يحتاج إلى مطعم كي يُصبح حيّاً، يحتاجُ فقط إلى احترام لا يتلعثم أمام أول فرصة استثمارية. يترك التاريخَ في مكانه، ثم يُحيطه بطاولات. الصومعة تنظرُ من علٍ، لا تغارُ من الأضواء الجديدة، إنما تسخرُ منها. يبقى الحجرُ، نعم، غير أن المعنى يتراجع خطوة خطوة حتى يصير مجرد خلفية جميلة لمن لا يريدُ أن يسمعَ شيئاً. غير أنني أرفض أن يتحوّل حضوري إلى خدمة مرافقة، وأن تقيسوني بعدد الحجوزات، وأن تختصروا قروني في زاوية تصوير، وأن تجعلوا من جلالي نكهة إضافية في طبقٍ موسمي”. شالة تُطالبُ الحاضرَ بقليلٍ من الحياءِ تلك هي القضيةُ كلُّها: لا أحدَ يطلبُ من شالة أن تُغلق أبوابها في وجه الناس. أم أننا دخلنا زمناً لا يطمئنُّ إلى أيِّ أثرٍ حتى يرى قُربَهُ آلة دفع إلكتروني؟ فقد عشتُ بالحياة ومنحتُها معنى؛ لا أخاف الزوار، فقد جاءني الزوار دائماً. الذوق المعاصر أكثر نعومة. وهذه الجملة وحدها تكفي كي ترتجف الحجارة. تقف هناك، وتعرف أن الخطر لا يأتي دائماً على هيئة غزو. لا يقول: “نحن نختبرُ حدود الوقاحة الثقافية”. يدخل بكامل ثقته، يحمل خطاباً أنيقاً، ويضع فوق كتف التاريخ يداً باردة، ثم يقول له: “لا تقلق، سنثمِّنكَ”. هل احتاجت شالة إلى قرون من الصمت، وإلى ملوك وخرائب وصلوات وحروب وطيور مهاجرة، كي يأتي حاضرٌ شديدُ الأناقة ويُخبرها بأن قيمتها الحقيقية تبدأ عندما تقبلُ دورَ الديكور؟ وماذا يقول التاريخ حين يسمع من يشرح له، بكل برودة إدارية، أن الطاولة لا تهينه، وإنما “تثمِّنه”، وأن الفاتورة لا تطرده، وإنما “تُدمجه في التنمية”، وأن الزبون لا يجلس فوق ذاكرته، وإنما “يعيش تجربة تراثية أصيلة”؟

حينَ دخلَ النادلُ إلى التاريخِ ماذا يقول التاريخ في هذه اللحظة؟ يتركُ الصومعة صامتة، ثم يجعلُ صمتها جزءاً من “الأجواء”. هذا عمل فظّ لا يليق بالذوق المعاصر. لقد عبرتْ من هنا جيوشٌ ودولٌ وملوكٌ ورهبانٌ وفقهاءُ وطيورٌ، وتركَ كلُّ واحد منهم أثراً أو صلاة، أما أنتم فجئتم بخطة جلوس. “خُلْوةُ العِبَادِ” تُقَدِّمُ طَبَقَ اليَوْمِ في شالة، لا يدخل الحاضر خفيفاً كما يدخل زائر محترم إلى بيت قديم. مطعمُ خمسِ نُجومٍ فوقَ قرونٍ من الصمتِ فماذا يبقى من شالة ومن “خُلْوة العباد” إذا جلسَ الحاضرُ على ركبتيها، ثم طلبَ منها أن تبتسمَ للضيوف؟ تحتاجُ إلى من يفهم أنّ بعض الأمكنة لا تطلبُ الربح، تطلبُ الأدبَ. أيُّ مجد هذا الذي يقيسُ المسافة بين الضريح والمطبخ، ويطمئنّ لأن الكراسي لا تلامس الحجر مباشرة، كأن المشكلة في الخدش لا في الخدش المعنوي؟ نعم، هي فقط عبقرية لا ترى إلا رُكناً صالحاً لطاولة، وممراً مناسباً للنادل، وإضاءة دافئة تصلح لصورة على مواقع التواصل؟ ماذا يبقى من جلال المكان حين يُحوّل أصحاب المشاريع صمتَه وحجارته إلى “خلفية”، وجرحه الطويل إلى عنصر جمالي في إعلان سياحي؟ فهل نستطيعُ أن نزورَ شالة من غير أن نبيعَها؟ لو تكلّمت شالة لقالتْ: “لا أرفض الحياة. لا يقولُ: “نحنُ نضعُ الطاولات فوق ذاكرة جماعية”. يقول: “نحن نخلقُ تجربة”. أيُّ ذوق هذا الذي يدخل إلى مقبرة تاريخية وفي يده مِتْرٌ تجاري، فيقيسُ المسافة بين الضريح والكرسي، وبين القوس الروماني وقائمة الطعام، ثم يبتسم مطمئناً لأن “التجربة” تبدو قابلة للبيع؟ لذلك، تُطلّ شالة على الحاضر مثلَ قاضيةٍ عتيقةٍ لا تحتاجُ إلى مطرقة، فالحجرُ وحدَه يكفي لإدانة المتهمين. الباب المريني، ذلك الباب الذي يفترض أن يقود إلى رهبة المكان، يجدُ نفسه اليوم مثل مدخل محتمل إلى تجربة “أصيلة”. التاريخ في شالة يملك كبرياء العجائز. لا أحد يطردُ التاريخ من شالة. شالة لا تكرهُ الحياة، ولا تخافُ الزوار، ولا تطلبُ أن تبقى سجينة الصمت والغبار. يتركُ الحجر واقفاً، ثم يحوِّله إلى خلفية. شالة لا تحتاجُ إلى من يبيعُها باسم إنقاذها.

فهي تعرف أن الضوء الذي يحتاج إلى إعلان لا يشبه ضوء التاريخ. هل نقدرُ أن نُحبَّها من غير أن نحجز فيها طاولة؟ أنا لا أخافُ الطعام، ولا الزائر، ولا الحياة؛ أخافُ فقط من زمنٍ يظنُّ أنه يحترم التاريخ حين يضعه تحت إضاءة جميلة، ثم يطلبُ منه ألا يفسد “الأجواء”. أما الأضرحة، فتطرح سؤالاً أكثر قسوة: هل مات أصحابها كي يجلسَ فوق صمتهم زائرٌ يلتقط صورةً للعشاء؟ شالة ليست حديقة جميلة تبحث عن زبون. شالة تحتاج إلى زوار، إلى معرفة، إلى ترميم ذكيّ، إلى قراءة حية، إلى مسارات محترمة، إلى عروض ثقافية تليقُ بها، إلى كتب، إلى أطفال يتعلّمون، إلى مرشدين يوقظون الذاكرة، إلى فنّ لا يدهسُ المكان، إلى ضيافة تفهمُ حدودها. شالة ذاكرة مركّبة: بقايا “سالا الرومانية”، الأسوار المرينية، الباب العظيم، الصومعة الصامتة، الأضرحة التي تحمل ظلال الدولة المرينية، الحمّامات القديمة، الأعمدة، الممرات، الحجارة التي عرفت أقدام الجنود والفقهاء والملوك والغرباء، واللقالق التي فهمت المكان أكثر مما فهمه بعض “أصحاب المشاريع”. غالباً لا يصرخُ. هل نحافظ على التراث حينَ نضعه قرب الطاولات، أم ندرّبه فقط على الطاعة كي لا يُزعج شهية الزبون؟ يترك الرومان والمرينيين في المشهد، ثم يمنحُهم دور الكومبارس في عرض سياحي عنوانه: “كُلْ واشكرِ الحضارة”. ففي النهاية، لا ينهارُ الأثرُ دائماً حين يسقطُ حجرُه، أحياناً ينهارُ حين يبقى واقفاً، لكنه يكتشفُ أن من حوله لم يعودوا يرَونه إلا خلفيةً لصورة، أو عنواناً لافتتاح، أو صمتاً صالحاً للبيع. لعلّ شالة تنظرُ كلّ يوم إلى هذه الحداثة المتعجلة، وإلى أصحاب الملفات اللامعة والعبارات المصقولة، فتسألُهم: أهذا كلُّ ما جئتم به بعد قرون من الحضارة: طاولة، مصباح، وقائمة أسعار؟ الأسوار المرينية لا تحتاج إلى شرح. لنتأمّلْ، وإلى حديث آخر. كلُّ حجر هناك يملك سيرة، وكل قوس يحمل ندبة، وكل عشب ينبت بين الشقوق يعرف أن الزمن لا يحتاج إلى موسيقى خلفية كي يُصبح مؤثراً. أما حين تدخل التجارة وتجلس في صدر المشهد، يبدأُ التراث في الانكماش. هنا لا يثورُ الحجر، فهو أرفع من الصراخ، لكنه يُحدق فينا بتلك السخرية القديمة التي لا تحتاج إلى صوت، كأنه يسألنا: ألهذا الحدِّ ضاقت مخيلتكم حتى لم تجدوا طريقة لحبِّ التراث إلا بإطعام الناس فوقه؟ فحين يتحدث الخطاب الرسمي عن تثمين التراث، يعرف التراث أنه سيدفع الثمن من هيبته، ومن صمته، ومن ذلك الجلال الغامض الذي عاش قروناً من غير حاجة إلى قائمة طعام. لا أكرهُ الفرح، فقد رأيتُ ما يكفي من الموت كي أفهم قيمة الفرح. وهل يحق لنا أن نصف هذا العبث بالتثمين، ونحن نعرف أن بعض الأمكنة لا تزيد قيمتها حين تدخل السوق، وإنما تفقد شيئاً من روحها كلما اقتربت منها لغة الربح؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *