ندوة علمية ترصد “تحولات الرباط”

استعرض مؤرخون وباحثون، أمس الأحد ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، الامتداد التاريخي لمدينة الرباط، وتحولاتها عبر أزمنة مختلفة، احتفاء بذاكرة مدينة تختزن بين تاريخها وجغرافيتها أجوبة لأسئلة التاريخ والهوية. وسجل بوزينب أن الموريسكيين الذين قصدوا المغرب، خاصة المنحدرين من غرناطة، وصلوا إلى الرباط مطلع سنة 1610، بعد محطة أولى في مدينة تطوان، لينتقلوا بعدها إلى “قصبة الرباط” المعروفة اليوم بـ”قصبة الأوداية”. وسجلت المتدخلة أن الرباط استقطبت، عبر تاريخها، هجرات متعددة من الأندلس وبحارة من الشمال ومغاربة من مختلف الجهات، ما جعلها، منذ أوائل القرن السابع عشر، مركزا للتمثيليات الدبلوماسية وفضاء كونيا، تحولت فيه المدينة إلى “بوثقة” انصهر فيها المغرب التعددي، ونموذجا لمغرب الانفتاح. وفي هذا الصدد استعرض الأكاديمي والباحث الحسين بوزينب المسار التاريخي للموريسكيين الذين وفدوا إلى الرباط عقب تهجيرهم من الأندلس، معتبرا أن هذه الهجرة شكلت لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة.

الحضور الممتد”، فضاء مفتوحا لتقاطع الرؤى وتبادل النقاشات العلمية حول ما عاشته هذه المدينة من تحولات وامتدادات حضارية متعاقبة، فالرباط حاضرة تمتد عبر الزمن، فتحت ومازالت ذراعيها لاستقبال هجرات متعددة، لتصبح بذلك نموذجا لمدينة تقبل بالتنوع والاختلاف، وتساهم، بأسلوبها، في ترسيخ قيم التعددية والحوار، بما يعزز إشعاعها كفضاء للتلاقي والإبداع. من جانبها أبرزت الباحثة والأكاديمية ليلى مزيان أن المسار التاريخي لمدينة الرباط يكتسي طابعا استثنائيا، موضحة أن هذه الدينامية تمتد لقرون، منذ أن أرادها الخليفة الموحدي يعقوب المنصور، في نهاية القرن الثاني عشر، عاصمة أطلسية، لتكون قاعدة لسياسة ربطت بين ضفتي المغرب والأندلس. وشكلت هذه الندوة، المنظمة تحت عنوان “مدينة الرباط.. دائما ما كانت الرباط المدينة التي تجسد صورة حقيقية لمغرب الانفتاح والتعايش، يقول المشاركون في هذه الندوة، مستحضرين تاريخ المدينة منذ استيطانها من قبل الموريسكيين “المهجرين” من إسبانيا سنة 1610، وما أحدثه ذلك من صدى على مجريات الحياة العامة في العالم آنذاك، ومبرزين الخصوصية التاريخية لهذا المكان، الذي امتزجت فيه، منذ القدم، عناصر حضارية ودينية إسلامية ومسيحية ويهودية، إلى جانب أبعاد لغوية وثقافية متعددة.

يذكر أن منظمة اليونسكو اختارت مدينة الرباط عاصمة عالمية للكتاب لعام 2026، تقديرا لدورها الثقافي الرامي إلى النهوض بصناعة الكتاب، وترويجه وقراءته، وتنويها بمؤهلاتها الحضارية وخدماتها المهنية في احتضان العديد من دور النشر، ومعرض دولي للكتاب رائد على الصعيد الإفريقي والعربي. كما تناول الباحث ظروف استقرار وتطور حياة الموريسكيين عند مصب أبي رقراق، كبداية لمرحلة جديدة، حيث نظموا نشاطهم داخل هذا الفضاء، ما أتاح لهم استلهام نمط عيش خاص أسهم في تشكيل ملامح المدينة وتطورها التاريخي. وأضافت الباحثة أن المدينة عرفت خلال القرن السابع عشر تحولا نوعيا حين أصبحت “رباط الفتح” مدينة مينائية، تندرج ضمن المدن البحرية ذات النفوذ، ما عزز حضورها في المجال الأطلسي. فبحضور ثلة من المهتمين لم يقارب هؤلاء الباحثون، خلال ندوة علمية نظمت بمناسبة إعلان منظمة اليونيسكو “الرباط عاصمة عالمية للكتاب”، الرباط كفضاء للثقافة “المعاصرة” فحسب، بل كرسوا حيزا مهما من النقاش لها كذاكرة أصيلة، تلاقحت داخلها الحضارات الأندلسية والإسلامية والأمازيغية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *